نخبة من الأكاديميين

835

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

يقول إخوان الصفا : « واعلم بأن في كل ثلاثة آلاف سنة تنتقل الكواكب الثابتة وأوجات الكواكب السيارة وجوزهراتها ( « 1 » ) في البروج ودرجاتها ، وفي كل تسعة آلاف سنة تنتقل إلى ربع من أرباع الفلك . وفي كل ستة وثلاثين ألف سنة تدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة . فبهذا السبب تختلف مسامتات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض وأهوية البلاد ، ويختلف تعاقب الليل والنهار والشتاء والصيف عليها ، إما بالاعتدال والاستواء ، أو بزيادة ونقص وإفراط من الحرارات والبرودات ، واعتدال منهما . وتكون هذه أسباباً وعللًا لاختلاف أحوال الأرباع من الأرض ، وتغييرات أهوية البلاد والبقاع وتبديلها بالصفات من حال إلى حال . ويعرف حقيقة ما قلنا الناظرون في علم المجسطي وعلوم الطبيعيات ، فتصير بهذه العلل والأسباب مواضع العمران خراباً ومواضع الخراب عمراناً ، ومواضع البراري بحاراً ومواضع البحار براري وجبالًا » ( « 2 » ) . ب - الجيمورفولوجي : ويكون نتيجة عمليات التعرية المختلفة التي تؤدي إلى اكتمال الدورة الصخرية ، ويتضح ذلك في قول إخوان الصفا : « واعلم يا أخي أن الأودية والأنهار كلها تبتدئ من الجبال والتلال ، وتمر في مسيلها وجريانها نحو البحار والآجام والغدران ، وأن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر والكواكب عليها بطول الزمان والدهور تنشف رطوباتها وتزداد جفافاً ويبساً وتنقطع وتنكسر ، وخاصة عند انقضاض الصواعق ، وتصير أحجاراً وصخوراً أو حصى ورمالًا . ثم إن الأمطار والسيول تحط تلك الصخور والرمال إلى بطون الأودية والأنهار ، ويحمل كذلك شدة جريانها إلى البحار والغدران والآجام . وأن البحار لشدة أمواجها وشدة اضطرابها وفورانها ، تبسط تلك الرمال والطين والحصى في قعرها سافا ( طبقة ) على ساف بطول الزمان والدهور ، ويتلبد بعضها فوق بعض وينعقد وينبت في قعور البحار جبالًا وتلالًا ، كما تتلبد من هبوب الرياح أدعاص ( كثبان ) الرمال في البراري والقفار . واعلم يا أخي أنه كلما انطمت قعور البحار من هذه الجبال والتلال ، فإن الماء يرتفع ويطلب الاتساع ، وينبسط على سواحلها نحو البراري والقفار ويغطيها الماء فلا يزال ذلك دأبه بطول الزمان ، حتى تصير مواضع البراري بحاراً ومواضع البحار يبساً وقفارا . . » ( « 3 » ) . ويلاحظ أن إخوان الصفا لم يحاولوا ضرب أمثلة ميدانية ، بل اكتفوا بترديد آراء السابقين ، ويرجع ذلك إلى نهجهم المكتبي في الدراسة ، فلم يكونوا من الرحالين الذين مزجوا بين الدراسة العلمية والعملية مثل هيرودوت أو المسعودي أو من جاء بعدهما . * * * وظهر في القرن الخامس الهجري ثلاثة من أفذاذ العلماء العرب الذين أثروا هذه الفكرة بما قدموه من توضيحات أو تطبيقات كانت الأساس لعدد من النظريات الحديثة ، مثل نظرية زحزحة القارات

--> ( 1 ) « الجوزهرة » تدل في علم الفلك عند العرب والفرس على فلك القمر أو بمعنى أدق على الدائرة المتحدة المركز بفلك البروج التي يتحرك فيها مركز الجاذبية لفلك تدوير القمر . هذا إذا استعملت من غير إضافة . أما إذا أضيفت فتدل على العقد القمرية ، أي النقط التي يقطع فيها فلك القمر مدار الشمس ( فلك البروج ) . ( 2 ) إخوان الصفا : رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ، دار صادر ، بيروت 1957 م ، ص 93 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 93 - 94 .