نخبة من الأكاديميين
833
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
( Noah , s Flood ) . ويبدو أن الأمر خلاف ذلك إذ يذهب القدماء إلى أن هناك طوفانات متعددة ناتجة عن دورات فلكية سيأتي تفصيلها بعد قليل . ويرتبط بفكرة تبادل اليابس والماء بعض الآراء التي قيلت في ظاهرة الإطماء Silting . وأبرز من تكلم في هذا الموضوع هو المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ، والذي قام برحلات واسعة في بلاد العراق ومصر والشام . وكانت أهم ملاحظة له في مصر تتضمنها عبارته الشهيرة « مصر هبة النيل » ، واستطاع أن يبرهن على هذا الرأي لكنه لم يستطع أن يعلل أسباب الفيضان السنوي تعليلًا صحيحاً . وقد أشار في ملاحظاته إلى رواسب الطمي السنوية والأصداف المتحجرة على التلال ، واستنتج منها أن هذه الأجزاء كانت في ما مضى مغمورة بمياه البحر ، وأن مصر السفلى ( الدلتا ) كانت في يوم من الأيام تحت الماء ، لكن النهر أخذ يجرف معه بعض الرواسب ، وهكذا نتأت الدلتا عن البحر ( « 1 » ) . ودليل آخر قدمه هيرودوت ليثبت أن أرض مصر أرض مكتسبة ، هو رواسب الطمي الموجودة في قاع الشواطئ الشمالية لمصر فيقول : « وهذه طبيعة أرض مصر ، عندما تبحر إليها لأول مرة وما زالت على مسيرة يوم من اليابسة فإنك ستخرج طميا إذا ألقيت بالمسبار على عمق أحد عشر باعاً . وهذا يشير بجلاء إلى أن الطبقة الطميية تمتد إلى هذا الحد » ( « 2 » ) . وذهب هيرودوت إلى أبعد من ذلك في بيان أثر الطمي النهري على ازدياد مساحة اليابسة حينما قدَّر أن النيل لو فرض وغير مجراه ليصب في البحر الأحمر لاستطاع أن يملأ ذلك البحر برواسبه . يقول هيرودوت : « إذا ما قُدِّر للنهر أن يغير مجراه نحو الخليج ( البحر الأحمر ) فماذا يمنعه - وهو يصب في الخليج - من أن ييبسه في عشرين ألف عام ؟ إني شخصياً أظن أنه يستطيع ردم الخليج في عشرة آلاف عام . فكيف إذن في العصور التي مضت قبل ميلادي لم يقدر لنهر هائل ومخصب مثل هذا أن يُيبس خليجاً ولو كان أكبر من هذا الخليج ؟ ( « 3 » ) . ويتبين من النص السابق دراية القدماء بالبعد الزمني أو الوقت الطويل اللازم للعمليات الجيمورفولوجية ، ويتضح أيضاً أن هيرودوت قد اعتقد أن النيل كان ينتهي إلى خليج في شمال مصر ، وقام النهر بردم هذا الخليج بطميه ، وهو قوله : « فكيف إذن في العصور التي مضت قبل ميلادي لم يقدر لنهر هائل ومخصب مثل هذا أن يُيبس خليجاً ولو كان أكبر من هذا الخليج ؟ » . وإذا ما انتقلنا إلى الفترة العربية نجد أن العرب قد استوعبوا كل ما جاء في التراث القديم وأضافوا إليه ، وقدموا بعض التطبيقات والأمثلة العملية على ذلك . فقد نقل المسعودي ( توفي سنة 346 ه - ) ( « 4 » ) . عن صاحب كتاب المنطق « أن البحار تنتقل على مرور السنين وطويل الدهر حتى تصير في مواضع مختلفة ، وأن جملة البحار متحركة ، إلا أن تلك الحركة إذا أضيفت إلى جملة مياهها وسعة سطوحها وقعر قعورها صارت كأنها ساكنة ، وليست مواضع الأرض الرطبة أبدا رطبة ، ولا مواضع الأرض اليابسة أبداً يابسة ، لكنها تتغير وتستحيل ، لصب الأنهار إليها وانقطاعها عنها ، ولهذه العلة يستحيل موضع البحر وموضع البر ، فليس موضع البر أبدا براً ولا موضع
--> ( 1 ) محمد صقر خفاجه : هيرودوت يتحدث عن مصر ، دار القلم بالقاهرة 1966 م ، ص 83 ، وأيضاً جورج سارتون ( مرجع سابق ) ، ص 197 . ( 2 ) محمد صقر خفاجة . المرجع نفسه ، ص 75 . ( 3 ) المرجع السابق ص 83 ، وقد أشار الدكتور محمد شريف إلى قول هيرودوت هذا فذكر « أن النيل لو فرض وتحول عن مجراه بحيث ينتهي إلى البحر الأحمر لاستطاع أن يملأ ذلك البحر برواسبه في أقل من مائتي ألف عام » وقد اعتمدنا على النص المترجم . ( 4 ) أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي مؤرخ ورحالة جغرافي ، ولد في بغداد في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، ثم غادرها عام 301 ه - في رحلة استغرقت عدة أعوام حيث زار بلاد فارس والهند والصين وسيلان ( سريلانكا ) ومدغشقر عند الساحل الشرقي لأفريقية ، ثم زار عمان وأجزاء من الجزيرة العربية فبلاد الشام وفلسطين ، ثم استقر بفسطاط مصر ، حيث أتم كتابه « مروج الذهب » عام 336 ه - .