نخبة من الأكاديميين

832

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

تحيز ، أما الإنجازات الحديثة في الجيمورفولوجيا فقد كُتب فيها العديد من الكتب والأبحاث الأجنبية والعربية ولهذا لم نتعرض لدور الباحثين في هذا المضمار على نحو منفصل . ولقد تضمنت المعلومات التي وردتنا عن القدماء ، العديد من الأفكار عن أشكال سطح الأرض ، وتبادل اليابس والماء وأسباب حدوث الزلازل والبراكين والعيون وتكوين الجبال وغير ذلك من الظاهرات الجيمورفولوجية . ولو أننا تكلمنا في كل نقطة من هذه النقاط لاحتجنا إلى مجال أرحب من هذا البحث المتواضع ، ولهذا اقتصرنا على موضوع واحد منها ، يلقي مضمونه الضوء على عدد من موضوعات الدراسة ، هذا الموضوع هو فكرة تبادل اليابس والماء ، وقد تتبعنا هذه الفكرة عند الإغريق والعرب ثم بينا أثرها في الفكر الجغرافي الحديث من خلال النظريات التي أسهمت تلك الفكرة في ظهورها . فكرة تبادل اليابس والماء كانت فكرة طغيان الماء على اليابس وانحساره عنه ، خلال الأزمنة الجيولوجية المختلفة ، من الأفكار التي راودت علماء الإغريق منذ بدايات العصر الذهبي لليونان . ومن أوائل من قالوا بذلك « زينوفان القولوفوني » الذي عاش بين عامي 570 و 470 ق . م وكانت مدينة قولوفون ، وهي إحدى المدن الإيونية ، مسقط رأس زينوفان غير أنه هجرها بعد فتح قورش لها ، وأنفق بقية حياته متجولًا مما أكسبه معرفة واسعة ببلاد حوض البحر المتوسط . وأروع النصوص المنسوبة إليه في هذا الصدد قوله : إنه كان يوجد امتزاج بين الأرض والبحر ، وأن ذلك الامتزاج أخذ في التحلل عن الرطوبة على مر الزمن . وأدلته على ذلك اكتشاف الأصداف البحرية وسط الأرض وفي الجبال ، ويضيف إلى ذلك أنه وجدت في محاجر سراقوسة آثار سمكة وعجول بحر ، وفي باروس وجد أثر سردينة في قاع حجر ، وفي مالطة وجدت أجزاء من جميع أنواع الحيوانات البحرية . . ثم يقول : « إن هذه الأشياء تولدت حين كانت جميع الأشياء في الأصل مطمورة في الطين ، وأن جميع البشر هلكوا حين اندفعت الأرض نحو البحر وتحولت إلى طين ثم ولد الكون مرة أخرى وحدث هذا التغيير لجميع العوالم » . ويرى سارتون أننا على أساس هذا النص يمكن أن نسمي زينوفان أول جيولوجي وأول عالم بالحفريات ( « 1 » ) . وذكر أرسطو أن سواحل البحر وأطراف اليابس القاري تحدث بها تغيرات هائلة على امتداد فترات زمنية طويلة ، وأحياناً تحدث التغييرات على إثر هطول أمطار غزيرة بالغة التطرف في مقدارها ، وهو يفترض على هذا الأساس أن التغيرات في سواحل اليونان نشأت عن ظاهرة الطوفان ( « 2 » ) . وقد ظن الدكتور شريف محمد شريف أن الإشارة إلى الطوفان في نص زينوفان ، الذي كرره أرسطو في ما بعد ، هي تلميح إلى الطوفان العظيم المنسوب في الأديان السماوية إلى سيدنا نوح

--> ( 1 ) جورج سارتون : تاريخ العلم ، ترجمة لفيف من العلماء ، دار المعارف بمصر ، 1963 م ، ص 337 . ( 2 ) شريف محمد شريف : تطور الفكر الجغرافي ، الجزء الأول ، القاهرة 1969 م ، ص 217 .