نخبة من الأكاديميين
83
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
للجيوش الصليبية التي سرعان ما وجدت بعض هذه الكيانات السياسية الهزيلة يساعدها ضد البعض الآخر . كانت الخلافة العباسية منذ 447 ه - ( 1055 م ) تحت سلطة الأتراك السلاجقة الفعلي بعد أن نجحوا بزعامة طغرل بك في إخماد محاولة الفاطميين السيطرة على بغداد من خلال تلك المؤامرة الخائبة التي دبرها البسياسيري . وكانت النتيجة المباشرة لذلك أن جيش الإنقاذ السلجوقي تحول إلى جيش احتلال ، كما يحدث دائمًا . فصارت المنطقة ما بين فارس وخراسان وبلاد الشام وحدة سياسية تدين بالولاء الإسمي للخليفة العباسي ؛ ولكنها كانت تحت الحكم الفعلي للأتراك السلاجقة . ثم أخذ هؤلاء يتوسعون في اتجاه الشمال والغرب على حساب الأرمن والدولة البيزنطية . وعندما كانت قوات ألب أرسلان تطارد فلول جيش الإمبراطور البيزنطي المهزوم رومانوس ديوجينيس ، فتأسره بعد الهزيمة الساحقة في " مانزكرت " ( رجب 463 ه - / أغسطس 1071 م ) ، كانت قوات « أتسز بن أوق » ، أحد القادة التركمان في خدمة الخلافة العباسية ، قد استولت على بيت المقدس من أيدي الفاطميين . في خضم هذه المنازعات التي ألقت بالمنطقة العربية في حال من السيولة السياسية ، لم يكن هناك ما يشير في المصادر التاريخية العربية إلى أن المسلمين كانوا يعرفون شيئًا عن تلك التطورات الجارية في الغرب الأوروبي ، التي تمثلت نتيجتها النهائية في خروج الحملات الصليبية إلى فلسطين أواخر القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي . فَلَمْ يكن العالم المسلم في تلك الأثناء يشعر بالحاجة أو الرغبة في معرفة أحوال أوروبا التي كان يرى فيها منطقة متخلفة لا تستحق الاهتمام . كما أنها لم تكن مصدر خطر داهم على الرغم من إدراك المسلمين لما كان يجري من أحداث في الأندلس . كانت أوروبا طوال القرن الحادي عشر تمرُّ بارهاصات مرحلة جديدة تمثلت ذروتها في الحملات الصليبية . فقد كانت الأفكار الألفية عن نهاية العالم بعد انقضاء الألف الأولى من معاناة المسيح على الصليب والأفكار الأخروية التي تتعلق بما بعد نهاية العالم ، من أهم روافد الفكرة الصليبية . ففي ذلك الجو النفسي والفكري الذي ساد أوروبا آنذاك ، كان من الطبيعي أن يتطلع الناس الذين سيطرت عليهم هذه المشاعر إلى ضمان الخلاص الذي يرتبط بضرورة الرحلة إلى القدس Iter Heyroso limitanum . وقد تجسد هذا في ازدياد عدد رحلات الحج من جميع أنحاء الغرب الأوروبي الكاثوليكي إلى بيت المقدس . بيد أن رحلات الحج هذه قد أفرزت بالضرورة نمطًا من الدعاوة الكاثوليكية النزقة ، وتولد منها نوع من الهجوم الهيستيري على الإسلام والمسلمين . فقد استقر في الوجدان الشعبي العام في أوروبا الكاثوليكية آنذاك أن رحلة الحج إلى بيت المقدس تتويج لحياة المرء في هذه الدنيا . كما شاع بينهم أنه كلما كانت مشقة رحلة الحاج كبيرة ، كلما زادت فرصة المرء في الحصول على الغفران . وكان كثير من الحجاج يتمنى الموت في الأراضي المقدسة بأيدي « الكفار » ( أي المسلمين ) الذين صورتهم الدعاوة المحمومة في أبشع الصور التي تفتق عنها ذهن أولئك الذين تولوا الدعاوة ضدهم . وقد أمدنا الراهب الكلونى " رالف غلابير " Ralph Glaber بصورة حيَّة عن هذا الوضع عندما كتب « . . . في الوقت نفسه