نخبة من الأكاديميين
810
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المرحلة ، ومن بينها مثال عُرض سابقاً . وهكذا نستطيع الحديث عن وجود " مدرسة بغدادية " حقيقيّة في علم الفلك في القرن التاسع . إنّ العلاقة التفاعلية الثابتة بين النظرية والرصد ، والتي كانت ، بوضوح ، أكثر منهجيّة من العلاقة التي سادت في التقليد الهللينستي في علم الفلك ، سمحت في وقت مُبكِر للغاية بقيام نقدٍ قاسٍ أحياناً لجزءٍ من نظريّات بطلميوس ونتائجه ؛ إلّا أنّه كان متعذِّراً في ذلك الوقت ، اقتراحُ بديل لنظامه ولنماذجه الهندسية . وخلال ذلك القرن ، سمح التطور في علم المثلثات الكروي ، الذي كان يُعتبر " علماً مساعداً " لعلم الفلك ، بإجراء استدلالات هندسية على أقواس الكرة السماوية ، بشكل أكثر دقة وأفضل إعداداً ، وذلك بفضل مَنْهَجَة استخدام الجيوب وجيوب التمام وإدخال الظلال وظلال التمام ؛ أخيراً ، لا بدّ من أن نُسجِّل أنّ البحث الذي بدأه ثابت بن قرّة لتطبيق النتائج التي توصّل إليها علماء الرياضيات في علم الفلك ، وهم في أغلب الأحيان علماء فلك أيضاً ، واصله أغلب العلماء اللاحقين ، مما أدى إلى جعل علم الفلك أكثر فأكثر دقّة . كذلك ، فإن الأبحاث المعدّة على قدر عالٍ من الجودة في موضوع الآلات أحدثت تأثيرها في القرن اللاحق [ ( Rashed 1993 ) ] . وهكذا ، فإن التطوّرات اللاحقة في علم الفلك العربي كانت بداياتها تتشكل في القرن التاسع ، بشكل خاص في بغداد ، حيث جرى عمليّاً إعداد برنامج العمل وطرقه التي اتبعت دون تغيير يذكر ، على الأقل في قواعدها الأساسية ، خلال عدة قرون . 3 - علم الفلك العربي في القرنين العاشر والحادي عشر البتّاني . عرف المنعطف بين القرن التاسع والقرن العاشر عالمَ فلكٍ ذا شهرة واسعة هو البتّاني الذي وُلِدَ في أواسط القرن التاسع وتوفي في العام 929 م / 317 ه - . يرجع أصله إلى حرّان ، مثل ثابت بن قرة ، وقد أمضى الجزء الأكبر من حياته في الرقّة على ضفاف نهر الفرات في شمال سوريا الحالية ، حيث أجرى أرصاداً عديدة ذات نوعية عالية ، طيلة أكثر من ثلاثين سنة في مرصده الشخصي . وقد كتب خلاصة لأعماله في مؤلّف ضخم هو " الزيج الصابئي " . كان لهذا العالِم تأثير كبير على علم الفلك في الغرب اللاتيني خلال القرون الوسطى ، ثم في بداية عصر النهضة ، لأن عمله هو الكتاب الكامل الوحيد في علم الفلك العلمي العربي الذي تُرجِم بأكمله إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر ( ثم مباشرة إلى الإسبانية في القرن الثالث عشر ) ، حيث ورد ذكر المؤلِّف باسم Albategni أو Albatenius . وهكذا كان عمله المؤلَّف الوحيد الهام للغاية ، من التقليد العربي المشرقي ، الذي عرفه ودرسه مؤرخّو علم الفلك الغربيّون ، حتى عهد قريب نسبياً ؛ لهذا السبب كان البتاني عظيم الشهرة ، وكان المؤلّفون المتعاقبون لأغلب موجزات تاريخ علم الفلك يعتبرونه " أكبر عالم فلك عربي " . كان البتّاني بالفعل راصداً كبيراً ، لكنّ عمله في علم الفلك النظري لا يتمتع بأهمية كبرى ، فقد تبع ، بشكل كامل تقريباً ، من سبقه مباشرة من العلماء العرب الذين لم يذكر أيّاً منهم قط بشكل صريح ، في