نخبة من الأكاديميين
80
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وبعدها بأربع سنوات ، أي سنة 725 م ، شن المسلمون أكثر غاراتهم طموحًا داخل الأراضي التي كان يحكمها الفرنجة ، واستولوا على الحصن الروماني في " كاركاسون " Carcasson عنوة ، ثم تحركوا شرقًا عبر أراضي الوسط Midi ، واستسلمت لهم " نيم " Nimes صُلحًا ، وقدمت لهم الرهائن الذين أرسلوا إلى برشلونة . وتحت قيادة الوالي المسلم « عنبسة بن سليم الكلبي » شن المسلمون هجومًا خاطفًا في وادى نهر " الرون " دون أن تواجههم أية مقاومة جدية ، كما دخل جيش المسلمين إلى أعماق إقليم بورغونديا حيث استولى المسلمون على " أوتون " Autun التي نهبوها عن بكرة أبيها ، ثم عادت القوات إلى قواعدها في الجنوب . لكن الإغارات العربية وصلت ذروتها في معركة تور - بواتييه التي تعرفها المصادر العربية باسم « بلاط الشهداء » كما سبق وأسلفنا . وتحظى هذه المعركة بأهمية كبيرة في التراث التاريخي الأوروبي عامة ، وفي التراث التاريخي الفرنسي بصفة خاصة ؛ ويحتفي بها الأوروبيون باعتبارها النقطة التي توقف عندها الزحف الإسلامي في أوروبا الغربية . وعلى الرغم من هذا ، فإننا لا نعرف حقاً ماذا حدث بالضبط . وأقدم رواية مسيحية تاريخية هي تلك التي أمدنا بها الكاتب المسيحي الإسبانى المستعرب ، مؤلف مؤرخة سنة 754 م ، التي تكررت الإشارة إليها . ويبدو أن هذا المؤلف المجهول ، الذي كتب بعد فترة لا تزيد على عشرين سنة بعد " بلاط الشهداء " ، كان عارفاً بما جرى وعلى دراية جيدة بالأحداث . وربما يكون قد حصل على معلوماته من الجنود المسلمين الذين نجوا من المعركة وعادوا إلى قرطبة . فهو يحدثنا عن أن الوالي « عبد الرحمن الغافقي » الذي يسميه « الملك » ، كان قد هزم أحد المتمردين المسلمين اسمه مونوزا Munnuza في المنطقة الجبلية شرق البرينيس . وكان ذلك المتمرد المسلم قد نجح في الحصول على مساعدة « اوديس » دوق أقطانيا . وهناك اشتبك جيش « عبد الرحمن الغافقي » مع الدوق الأقطاني وهزمه في معركة جرت على ضفاف نهر الجارون . وتكشف هذه الحادثة عن تداخل العلاقات بين المسلمين ومسيحيى شمال غرب أوروبا ، إذْ كانت التحالفات السياسية والعسكرية تتجاوز الخطوط الدينية في كثير من الأحيان ، كما تكشف عن أن تصور وجود خط فاصل بين « عالم الإسلام » و « عالم المسيحية » كان وهمًا إيديولوچياً عاش في أذهان رجال الدين من الجانبين أكثر مما وُجد على أرض الواقع ، وأن هذا التصور كان قائمًا بين سطور الكتب ، ولم يوجد في علاقات الحياة اليومية بين الجانبين . وعلى أية حال ، فإن هذا الانتصار شجع عبد الرحمن الغافقي على مواصلة المطاردة ، فتوغل حتى مدينة « بوردو » ونهبها وأحرق كنيسة سانت هيلاري في بواتييه . وتحكي مؤرخة سنة 754 م القصة على النحو الآتي : « . . . بينما كان عبد الرحمن يطارد أوديس ، قرر تدمير تور Tours بقصورها ، وإحراق كنائسها .