نخبة من الأكاديميين
81
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وهناك واجه مستشار " أوستراسيا " Austrasia الذي يسمى " شارل مارتل " ( المطرقة ) وهو رجل برهن منذ شبابه على أنه مقاتل وخبير في الأمور العسكرية . وكان أوديس قد طلب مساعدته . وبعد أن عذب الجانبان كل منهما الآخر بالإغارات التي استمرت على مدى سبعة أيام تقريبًا ، أعدوا خطوط قتالهم في نهاية الأمر ، وقاتلوا بقسوة ووحشية . وصمد الشماليون راسخين مثل السور ، متماسكين مثل الجليد في المناطق الباردة . وفي غمضة عين قضوا على العرب بسيوفهم . أما أهل " أوستراسيا " ( الفرنجة ) الذين كانوا أكثر من المسلمين عدداً وأفضل تسليحًا فإنهم قتلوا الملك عبد الرحمن عندما وجدوه وضربوه على صدره . ولكن فجأة ، مع مشهد خيام العرب بأعدادها التي لا تحصى أغمد الفرنجة سيوفهم في تخاذل بسبب هبوط الليل أثناء القتال ، ليؤجلوا القتال إلى اليوم التالي . ولما نهض الأوروبيون من النوم في معسكرهم عند الفجر شاهدوا خيام العرب كلها مرتبة حسبما كانت في اليوم السابق . ولم يعرفوا أنها كانت كلها خاوية ، وظنوا أن كتائب السراكنة في داخلها يستعدون للمعركة . فأرسلوا كشافتهم للاستطلاع ، واكتشفوا أن جميع قوات الإسماعيليين قد رحلت . فقد هربوا جميعًا في صمت تحت جناح الليل في تشكيل مترابط عائدين إلى بلادهم . ولكن الأوروبيين الذين خشوا من أن يكون المسلمون يحاولون خداعهم ، وأن يحاولوا أن يكمنوا لهم في الممرات الخفية ، أبطأوا في رد فعلهم ، وبحثوا بلا طائل في جميع الأماكن المحيطة . وإذْ لم تكن لديهم النية في مطاردة المسلمين ، استولوا على الغنائم والأسلاب ، وقسموها بالتساوي في ما بينهم ، وعادوا إلى بلادهم وقد غمرهم الفرح والسرور . . . » . والمثير أن هذا الكاتب المسيحي لا يتحدث عن نصر « مسيحي » وإنما عن نصر أحرزه الفرنج على قوات عبد الرحمن الغافقي في لغة محايدة ، وكأن الطرفين متساويان بالنسبة إليه . وهو ما يكشف عن حقيقة أن الأمور كانت متداخلة في ذلك الطور الباكر من الوجود الإسلامي فوق أرض شبه جزيرة إيبيريا . وهو موقف كانت تحكمه علاقات الواقع السياسي ومصالح الحياة اليومية والتعاملات بين المسلمين والنصارى . ولابد أنه كان هناك قدر من الاستياء في أوساط المسيحيين لم تخفف من حدته حقائق الحرية الدينية التي كفلها لهم الحكم الإسلامي ، ولكنه لم يصل إلى حد القطيعة الاجتماعية أو السياسية ، أو حتى العسكرية ، بين الجانبين . ومن ناحية أخرى ، كانت أصوات الرهبان المتعصبة ، والإمارات الشمالية المعادية ، بذرة في تربة صالحة لم تلبث أن أخرجت شجرة الاسترداد Reconquista التي ظلت تنمو وتكبر حتى نجح الكاثوليك في طرد الحكم الإسلامي بعد ثماني مئة سنة من وجوده . كانت تلك الخلفية ، بقسميها المعنوي المتمثل في كتابات الرهبان ورجال الكنيسة الكاثوليكية ، والمادي المتمثل في المعارك والاشتباكات العسكرية بين المسلمين ونصارى الممالك الإقطاعية الشمالية