نخبة من الأكاديميين

754

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ويبدو لنا بما لا يقبل الجدل ، أنّ هذا البحث للعلوم عن شرعيّة لا ترتكز فقط إلى التقدّم المهني الذي سمحت به هذه العلوم ، وأنّ نظرة الدوائر الحاكمة إلى هذه العلوم ، التي منحتها دوراً أكبر ممّا كان قد رُسِم لها ، هما من المميّزات المجهولة لهذه الحقبة المصريّة . إلّا أنّ هذه الرؤية سوف تتبدّد لاحقاً في زمن الاحتلال البريطاني ، وسوف يزاحُ الجيل الذي حمل هذه الرؤية . فالبعض من أبناء ذلك الجيل سيُحالُ تلقائيّاً على التقاعد ، وستعتبرُهم السلطة الجديدة عوائق أمام إصلاحات النظام التربوي ، الإصلاحات التي ستبدأ منذ ذلك الحين بالارتكاز على خططٍ مختلفة ؛ وسيُحرمون كلّهم من سلطاتٍ تقريريّة حقّة . ولم يعد تجدُّد الأجيال ممكناً في فترة الاستعمار البريطانيّ ؛ فالأساتذة المصريّون في المدارس العليا استُبدِلوا جميعهم ببريطانيين ؛ وتوازت هذه التدابير مع استبدالٍ نهائيٍّ للعربيّة بالإنكليزيّة كلغة تدريس . غير أنّ الفكرة الأساسيّة التي ارتكزت عليها رؤى هؤلاء المسؤولين العلميين المصريين على ما يبدو لنا ، هي أنّ العلوم ليست أوروبيّة بطبيعتها إنّما تشكّل الخير للجميع ؛ أو هي أنّه لا يمكن أن يكون هنالك عدّة " عقلانيّات " إنسانيّة أو عدّة " إيجابيّات " تاريخيّة . وصحيحٌ أنّ علي مبارك أو إسماعيل مصطفى لم يعبّرا بشكل صريح عن هذه الفكرة ، وذلك لسببٍ بسيط ، هو كونها فكرة بديهيّة في ذلك الوقت . وهذه الفكرة لم تظهر ضمناً إلّا لاحقاً ، بعد فوات الأوان ، وتحديداً عندما توجّب تحليل طبيعة الخطاب المستخدَم في محاربة هذه الفكرة من قِبَل بعض المسؤولين البريطانيين . هؤلاء المسؤولين الذين أعلنوا جازمين ، عدم تكيّف اللغة العربيّة مع الخطاب العلمي أو عدم نفع المهارة الأوروبيّة إذا حُرِمت من سلطة أوروبيّة « 1 » ودشّنوا بذلك ، وبشكل لا مفرّ منه ، إخضاع التطوّر العلمي في مصر ، إلى المنطق الاستعماري . ونورد فيما يلي مقطعاً من مقال ، كتبه أحد كبار الأساتذة المصريّين بعد عدّة عقود ، يقيّم تلك المرحلة ، منتقداً بقساوة السياسة البريطانيّة في هذا المجال ومؤكّداً على التباين الواضح بين فترة الاستعمار البريطانيّ والفترة السابقة . هذا الأستاذ ، علي مصطفى مشرّفه ( 1898 - 1950 ) ، عالم الفيزياء ذي المكانة العالميّة ، وأوّل مصري نال شهادة دكتوراه في العلوم من إنكلترة ، يقول : " ونحن في مصر اليوم ننقل المعرفة عن غيرنا ثم نتركها عائمة لا تمت بصلة إلى ماضينا ولا تتصل بتربتنا ، فهي بضاعة أجنبية عليها مسحة الغرابة ، غرابة في اللفظ وغرابة في المعنى ، وإذا ذكرت النظريات قرنت بأسماء أعجمية ، لا يكاد المرء منا يتبين معالمها ، وإذا عُبِّرَ عن المعاني فبألفاظ مخيفة يفرّ منها الفكر وترتبك أمامها المُخيلة " « 2 » .

--> ( 1 ) - أنظر كروزيه ، Crozet , " Modernization of Science and its History outside Europe " . ( 2 ) - نظر مشرّفه : " علي مصطفى مشرّفه " ، ص . 153 - 154 .