نخبة من الأكاديميين
751
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
سنقتصر هنا على مسألة الإيديولوجيّة أو ببساطة على مسألة الأسباب الفكريّة التي دعت إلى مثل هذه الحركة . بديهيٌّ أن يكون هنالك ، قبل كل شيىء ، مذهب فكريّ حول التقدُّم قد يبدو ، بالاختصار ، سطحيّاً في ذلك العصر . لقد كانت كلمات " تمدّن " و " معارف " و " تقدّم " تتردّد كاللازمة وتحتلّ بوفرة صفحاتِ مجلّة " روضة المدارس " وصفحات كتب شاركت في الحركة نفسها . ومثل هذا الخطاب أمرٌ متوقّع من قِبَل رجالٍ تخرّجوا من مدارس رسميّة ، علميّة التوجّه . ولكن فيما يخص مسألة الإيديولوجيّة ، نعتقد أنّ الأساسي يوجد في مكان آخر . إذ ، لكي نُدرِك المكانة المُمَيَّزة للمعارف العلميّة في مشاريع التعليم وتعميم المعارف في ذلك العصر ، يبقى علينا أيضاً أن نعرِف الدور الذي سيقوم به في النتيجة هذا الشقّ من المعارف . ويمكن للبعض أن يعتقد ، للوهلة الأولى ، أنّ رجالًا ، تخرّجوا من مدرسة المهندسين في بولاق يوم كان مديرها هو السان - سيمونيّ شارل لامبرت ، هم وراء تبنّي إيديولوجيّة تصنيعيّة أو منفعيّة ما ، مفضّلين العَملَ على الدراسة ، والمعارف التطبيقيّة العمليّة على المعارف العامّة ؛ بمعنى آخر ، أنّهم كانوا مناصرين لتطوّر معرفة علميّة يرتكز أساساً إلى التطبيقات العمليّة ، النافعة للمهن وللصناعة . وبهذه الطريقة في الواقع ، نظر إلى العلوم بعض المعاصرين لهؤلاء ، من غير العلميين ، الذين كانوا " مناضلين من أجل التقدّم " ؛ أو بكل بساطة ، بهذه الطريقة ، تمّ تصوّر النظام المدرسي في ظل محمّد علي . ولكن ، إذا تفحّصنا عن قرب مجموعة المقالات والكتب العلميّة التي نُشِرت في إطار " روضة المدارس " أو خارجَه ، ترتسم صورة أخرى بعيدة عن المفهوم النفعيّ الضيّق للمعرفة العلميّة . فالنصوص المنشورة التي تطرّقت إلى مواضيع قليلة " النفع " كنظريّة الأعداد وتاريخ علم الفلك « 1 » ، وكوجود مؤسّسة مثل مجلّة " روضة المدارس " نفسها ، وتعمّدت الجمع بين روايات السفر والنصوص الأدبيّة والمعارف العلميّة ، تكشف عن صورة أخرى . فهي تُبيِّن أنّ العِلم ، مثله مثل غيره من حقول المعرفة ، كوّن جزءاً من ثقافة ، يمكن نعتُها ب - " المدرسيّة " عُمِل على نشرِها في ذلك الوقت . وأكثر من ذلك ، كان للعلم بما لا يقبل الجدل ، سلطة تربويّة . فقد شدّد علي مبارك في كتاباته ، على التأثير الذي يحدثه العلم ، في التحرّر من المخاوف السخيفة ومن المعتقدات الخاطئة ومن الخرافات « 2 » . أمّا إسماعيل مصطفى ( 1825 - 1900 ) ، عالم الفلك ومدير مدرسة المهندسين بين 1866 و 1887 ، فقد كان في غاية الوضوح عندما كتب ما يلي « 3 » : " فإنّه وإن صحّ أنّ مطالعة الآداب واجبة وضرورية لكل إنسان إلا أنّه لا يمكن أن يبلغ فيها درجة الكمال إلا بممارسة العلوم الطبيعية حيث لا يكفي الإنسان أن يكون عاقلًا بمجرد
--> ( 1 ) - لمزيد من التفاصيل ، أنظر كروزيه ، Crozet , " La place des sciences dans la cite " . ( 2 ) - دولانو ، Delanoue , Moralistes , II , 529 . ( 3 ) - مصطفى ، " بهجة الطالب " ، ص . 5 .