نخبة من الأكاديميين
752
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
التصديق والامتثال بل بالإدراك واليقين ويقتضي أن يكون في إمكانه التأمُّل والتفكُّر ليتخلص بقوة إدراكه من الأوهام التي تفسد الأحكام العقلية وتضادّ الصواب إذ لا مَزِيّةَ للآداب إذا كانت مؤسّسة على الجهل والخطأ " . وإذا ما أصرّ أحد على مقارنة ذلك الوضع مع الوضع الفرنسي ، يمكنه القول بأنّ الفِكر الذي حرّك أشخاصاً مثل علي مبارك أو إسماعيل مصطفى ، ربّما بدا أقل قرباً إلى الإيديولوجيّة المدرسيّة السان سيمونيّة ، منه إلى " التربية الإيجابيّة " التي دعا إليها أوغست كونت ( Auguste Comte ) . وأفكار هذا الأخير في التدريس ، أعيد إحياؤها في السنوات الأخيرة من القرن ، لتولّد حركةً قويّة لصالح نظرة أُطلِق عليها في تلك الحقبة اسم " الإنسانيّة العلميّة " ، وهي نظرة لا تُثمِّن العلوم فقط تبعاً لمنفعتها ، إنّما أيضاً لأنّ تعلُّمَها يسمحُ بتكوين الفكر « 1 » . انطلقت في مصر إذن ، دعوة عبّرت عن تمنّيات المسؤولين المصريين بإعادة إحياء المعرفة وتشجيعها بكلّ أشكالها ، المعرفة التي لم تقتصر على الشقّ العلميّ ، وإن احتلّ العلم ضمنها مكانة مميّزة . ضمن تصوّر كهذا ، لم تعد العلوم نافعة من أجل تطبيقاتها فحسب ، بل أيضاً من أجل دورها في التربية الفكريّة . ولكن ، يبدو لنا أنّ المكانة التي خصّصها للعلوم هؤلاء الذين قاموا بحركة تعميم العلوم وتبسيطها ، علاوةً عن كونها ثمرة تبنٍّ لنموذج أوروبي ، هي أيضاً ثمرة وضع تاريخي خاصٍّ بمصر . ففي الواقع ، لم يُنظَر أبداً في مصر إلى العلوم على أنّها نتاج أوروبي أساساً ؛ كما أنّ التطوّر العلمي الحديث في البلد ، لم يُقدَّم على أنّه نوع من تحديثٍ يفترض فرقاً جذريّاً بين المكانة التي احتلّتها العلوم في العصر الذهبي للحضارة الإسلاميّة ومكانتها وقتئذ . فمقدّمات الكتب والكتيّبات في تلك الحقبة ، تعبّر بالعكس ، عن الفكرة التي تقول بأنّ العلوم " كادت " تختفي عند سكّان ضفاف النيل ، وأنّه من العدل أن تعود وتحظى بالمكانة التي تستحق ، إضافة إلى التذكير بالفائدة العمليّة للمعرفة العلميّة . هذا ما عبّر عنه رفاعه الطهطاوي في العام 1869 ، عندما كتب مقطعاً ذاع صيته ، يقول فيه ما معناه أنّ هذه العلوم العقلانيّة العمليّة التي " تبدو " الآن غريبة ، هي علوم إسلاميّة ، نقلها الأجانب إلى لغتهم انطلاقاً من كتب عربيّة « 2 » . فضلًا عن ذلك ، فإنّ تفحّص المؤلَّف الضخم في علم الفلك ، الذي نشره إسماعيل مصطفى العام 1889 ، يسمح بأنّ نُقدِّر ونثمِّن مدى قدرة هؤلاء الرجال الذين تكوّنوا في المؤسّسات الحديثة التابعة للدولة ، على أن ينخرطوا في شكلٍ من أشكال التواصل والاستمراريّة ، مع تقاليد علميّة كانت متداوَلة آنذاك ، قبل نقل العلوم الأوروبيّة « 3 » . فيبدو بوضوح ، من المراجع ومن الطرائق المستخدمة في هذا المؤلَّف أنّه من أصلٍ غربي ؛ ولا عجب ، إذ أنّ مؤلِّفَه أقام لأكثر من عشر سنوات في مرصد باريس ؛ إلّا أنّ هذا المؤلَّف يتميّز عن نظرائه من المؤلَّفات الأوروبية . فهو يستخدم لغة عربيّة يتعمّد تواصُلَها مع اللغة الموروثة ، آخذاً بعين الاعتبار
--> ( 1 ) - أنظر بِلوست ، Belhoste , " Les caracteres generaux de lenseignement secondaire scientifique " , pp . 17 - 19 . ( 2 ) - الطهطاوي ، " مناهج الألباب " ، ص 373 . ( 3 ) - مصطفى ، " الدرر التوفيقيّة " . أنظر كذلك كروزيه ، Crozet , " La place des sciences dans la cite " , pp . 43 - 47 .