نخبة من الأكاديميين
74
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
البرانس ( البرينيس ) الوعرة في الشمال . وفي ما بعد تحولت هذه المنطقة إلى بؤرة إزعاج للحكم الإسلامي في الأندلس . وتحكي « مؤرخة ألفونسو الثالث » أن مجموعات صغيرة من اللاجئين الذين فروا من وجه الجيوش الإسلامية والسكان المحليين تجمعوا في هذه المنطقة ، وفي منطقة بيكوس دى أوروبا الجبلية Picos de Europa في أشتورياس غربًا ، للدفاع عن استقلالهم ضد الحكم الإسلامي . وقيل إن حركة المقاومة هذه في بيكوس دي أوروبا كانت تحت قيادة شخص اسمه بيلايو Pelayo ، ربما كان من نبلاء الفيزيقوط ، وربما كان واحدًا من رجال البلاط الملك روديرغو ( أو لوذريق ، كما تسميه المصادر العربية ) . وهو آخر ملوك الفيزيقوط في إسبانيا ومن الواضح أن هناك قدرًا كبيرًا من الخيال في قصة « بيلايو » هذا ؛ لأن المصادر العربية لم تذكر عنه شيئاً ، كما أنها لم تتحدث عن حركة التمرد التي قادها . والراجح أن قصته كانت هي الأساس التي دارت حوله أسطورة تأسيس مملكة النصارى الكاثوليك في أشتورياس . وتحكي مؤرخة ألفونسو الثالث ، التي ربما تكون قد ألفت بعد سنة 900 م ، أن بيلايو هذا كاد أن يقع في أيدي السراكنة ، لكن أحد أصدقائه حذره في الوقت المناسب ، ففر إلى بيكوس دي أوروبا الوعرة ، وذات الممرات الجبلية الشديدة الإنحدار والنتوءات الحادة . وعندما تسقط عليها أمطار غزيرة تكسوها خضرة مدهشة . ولم ينجح الرومان أبدًا في السيطرة عليها . ولم تقم في هذه المنطقة أية مدن كبيرة بسبب طبيعتها . وتواصل « مؤرخة ألفونسو الثالث » روايتها لتحكي في نغمة أسطورية كيف هرب « بيلايو » من أعدائه عندما عبر نهرًا سريع الجريان على ظهر جواده ، وعندما وصل إلى الجبال التف حوله أهل « أشتورياس » ، واتخذ لنفسه مقر قيادة في أحد الكهوف لمقاومة المسلمين . وغضب « الحاكم العربي » غضبًا عارمًا لما حدث ، فأرسل جيشًا قوامه مئة وسبعة وثمانون ألف رجل لإخماد التمرد . وكان قائد هذه القوات رجلًا تسميه القصة « ألقاما Alqama » ، ومعه أسقف غامض تسميه المؤرخة " أوبا " Oppa ، وهو يلعب في هذه القصة الأسطورية دور المتعاون مع العدو . وعندما واجه المسلمون بيلايو في مكان مرتفع بالمنطقة الجبلية معروف باسم ( كوفادونغا Covadonga ) ، خاطبه الأسقف " أوبا " متسائلًا : كيف يظن أن بوسعه الصمود أمام الإسماعيليين ( المسلمين ) الذين هزموا جيش القوط كله منذ فترة وجيزة ؟ . . . . ولكن « بيلايو » يرد بعظة دينية قصيرة ، قائلًا : « . . . إن المسيح أملنا ، وعن طريق هذا الجبل الصغير الذي تراه سوف تتم استعادة رفاهية إسبانيا ، وإعادة بناء جيش الشعب القوطي . . . » ، ولما فشلت المفاوضات شن جيش المسلمين هجومهم ، ولقي عدد كبير مصرعه وهرب الباقون . هذه المؤرخة المنسوبة إلى الملك ألفونسو الثالث ( 838 - 910 م ) ، الذي كان ملكًا على اشتورياس وليون ( 866 - 910 م ) ثم تحول إلى بطل أسطوري في تاريخ الكاثوليكية الإسبانية بسبب حروبه ضد المسلمين ، حملت من الأساطير أكثر مما حملت من الحقائق التاريخية ، وكانت نواة الدعاوة الكاثوليكية ضد المسلمين في حرب الاسترداد Reconquista في ما بعد . ومن ناحية أخرى ، تكشف الصياغة الأسطورية لقصة بيلايو عن عدة أمور مهمة :