نخبة من الأكاديميين

737

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

التطوّرات الجديدة واكبت التوسّع الأوروبي أقل ممّا هدفت إلى التصدّي له ، خاضعة لمنطق يختلف عن المنطق الذي سوف يسود في المشاريع الاستعمارية . 3 - 1 . التجربة التركيّة الأولى أولى ردّات الفعل على التفوّق التكنولوجي للجيوش الغربيّة ، جرت بالطبع في إسطنبول ، مركز الإمبراطوريّة العثمانيّة . فعام 1731 ، عهد السلطان محمود الأوّل إلى الكونت دو بونُّ - ال ( De Bonneval ) مهمّة تنظيم فيلق من رماة المدفعيّة ؛ والكونت المذكور هو ضابط فرنسي اعتنق الإسلام بعد مسيرة غير منتظمة في الجيوش الفرنسيّة والنمساويّة . وتأسّست أوّل مدرسة للرياضيّات عام 1734 ، غير أنّ وجودها كان متقطّعاً ، لأنّ السلطة إذ ذاك كان عليها مواجهة عدائيّةِ الأوساط المحافِظة . لكنّ الضغوطات الخارجيّة استدعت رويداً رويداً سياسة أكثر حيويّة ؛ لذا أدّت بعثات البارون توت ( Tott ) ولافيت - كلايه ( Lafitte - Clave ) ، على التوالي ، إلى خلق مؤسّسات أكثر ديمومةً وأكبر طموحاً ؛ فقد تأسّست عام 1773 مدرسة للهندسة البحريّة ، سبقت تأسيس مدرسة هندسة لسلاح المشاة عام 1795 ؛ وقد ساعدت هذه التدابير السلطان الجديد سليم الثالث ، على تنفيذ رغبته في تغيير سلسلة الرتب العسكريّة وعلى بناء نظام جديد للجيش . وعلاوة على العلوم العسكريّة جرى في هذه المؤسّسات ، تدريسُ عدد من العلوم ذات الطابع الرياضي ، كعلم الحساب ، والهندسة ، وعلم المثلّثات ، والجبر ، والحساب التفاضلي والتكاملي ، وعلم الحركة ، وعلم الفلك ، وعلم القياس على الأرض ( الجودزة ) ، وعلم المساحة ( الطوبوغرافيا ) ، وعلم رماية القذائف . ولأجل مهمّة التدريس هذه ، تمّ تأمين الكتيّبات ووسائل إسناد التدريس إمّا عِبر إحضارها من أوروبا ، أو عِبر ترجمتها أو تأليفها مباشرة بالتركيّة . إلّا أنّ ما هو جديد في هذا التعليم لا يعود دائماً إلى المحتويات العلميّة بالذات ؛ ومثال الهندسة في هذا الصدد معبِّر جدّاً : فسوف نرى لاحقاً أنّ ما تمّ تدريسه أو ترجمته في هذا العلم لا يتضمّن شيئاً غائباً عن المؤلَّفات التي كان يتداولها بعض المتعلّمين الأتراك . ما هو حديث في هذا التعيلم ، هو قبل كل شيىء طبيعة أهداف تطبيقات العلم الجديد ، المختلفة جذريّاً ، والتي تطلّبت توسيع انتشار المعارف العلميّة إلى أبعد من مجرّد دائرة المثقّفين ، لتطال مثلًا منهاج المدارس الحربيّة الجديدة . إحدى النتائج الأولى لتأسيس هذه المدارس كانت انتقال اللّغة العلميّة السائدة ، من العربيّة إلى التركيّة ؛ وقد استوجب ذلك أمراً ، جعل منه المسؤولون في الجسم التعليمي إحدى أولى مهمّاتهم ، وهو إعداد قاموس علمي مختص باللغة التركيّة قابل للتعبير عن المفاهيم الجديدة . مع ذلك ، لا يجب أن نرى في التعارض الذي يميّز بين علوم حديثة وعلوم تقليديّة أو بين