نخبة من الأكاديميين
738
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المتعلّمين التقليديين والعسكريّين ، هوّة لا يمكن ردمها ؛ كان الواقع عكس ذلك . فلقد كان المترجِمون الذين يدرّسون في مدرسة المهندسين يلجأون ، بشكل طبيعي ودون حَرَج ، إلى العلوم التقليديّة المكتوبة بالعربيّة ، لإيجاد حلٍّ أفضل للصعوبات التي كانت تواجههم والمتعلّقة بانتقاء الألفاظ ؛ وهنا تظهر ، بكثافة ، الاستعارات من العربيّة ؛ ففي عرض الأعمال المترجمة من قِبَل المترجمين الأتراك أنفسهم ، غالباً ما نجد اللغتين متشارِكتين في إدخال تسمية جديدة أو قليلة التداول « 1 » . وأكثر من ذلك ، أدّى اهتمام المسؤولين في مدرسة المهندسين ، بالعلوم التقليديّة المكتوبة بالعربيّة ، إلى نشر تحقيق " أصول " أقليدس العائد لنصير الدين الطوسي ( القرن الثالث عشر ) عام 1801 « 2 » ، بالتوازي مع نشر الترجمة من الإنكليزيّة إلى التركيّة لمؤلَّف " أصول أقليدس Element ) ( Euclids لِجون بونّيكاسل ( John Bonneycastle ) ، وهي صيغة مبسّطة للعمل نفسه ، تتمتّع بعرضٍ يُعتَبَر أكثر ملاءَمَةً للجمهور المقصود ولضرورات تلك الحقبة من الزمن . ويبقى المسؤولون عن هذه المؤسّسة * « 3 » ، بما لا يقبل الجدل ، رغم كونهم الدُعاة الأوائل لنشر المعارف الجديدة ، متأثّرين بالإطار الفكري السابق لنقل هذه العلوم الجديدة . يظهر هذا التأثّر مثلًا في استمرار حسين رفقي ، مدير المدرسة من العام 1806 إلى العام 1817 ، وخلفِهِ سيّد علي بك ، بتدريس علم الفلك والجغرافيا مع تفضيل وجهة النظر القائلة بمركزيّة الأرض ، وهذا ما لن يفعله تلميذهم إسحق أفندي ، الذي سيُدير المؤسّسة بين العامين 1830 و 1836 « 4 » . وأكثر من ذلك ، فإنّ حسين رفقي كرّس بحثاً صغيراً في المسألة التقليديّة التي هي مسألة " تثليث الزاوية بطريقة هندسيّة " ، أي بالمسطرة والبركار ؛ وهو بحث أضافه إلى الكتيّبات التي كان يؤلِّفها أو يترجِمها في الهندسة لوضعها في تصرّف المهندسين ، رغم عدم وجود الكثير من الروابط بين البحث المذكور وبين مهمّات المدرسة التي يديرها . ويستحسن أن نذكر هنا أنّ إبراهيم أدهم ( 1785 - 1865 ) ، وهو تلميذ قديم في المدرسة انتقل فيما بعد إلى مصر ، أظهر المغالطة في برهان رفقي ، مشيراً إلى أنّه ، نظراً لغياب الحل بواسطة الهندسة الأساسيّة ، فإنّه يمكن حل المسألة " بطريق الهندسة العلية أعني علم تطبيق الجبر على الهندسة وبطريق إنشاء القطع المكافئ " « 5 » . بيد أنّ هذه الحركة من التحديث ستدخل لبضع عشرات من السنين في فترة ركود ، خصوصاً بُعَيدَ اغتيال سليم الثالث على يد الإنكشاريّين في العام 1808 ، على أثر محاولة جديدة من قِبَله لإعادة تنظيم الجيش . واستمرّت مدرسة المهندسين بالعمل طيلة هذه السنوات كلّها ؛ ورغم بقائها مكرَّسة بشكلٍ أساسي للتقنيّات العسكريّة ، إلّا أنّها بقيت المؤسّسة الوحيدة التي تؤمِّن تعليماً علميّاً حديثاً لم ينقطع حقّاً ، مرتكزاً على مجموعة نصوص علميّة عائدة بمعظمها إلى أواخر القرن الثامن عشر ؛ أمّا إنتاج الكتيّبات العلميّة أي تلك
--> ( 1 ) - أنظر مثلًا مقدّمة الترجمة التركيّة لمؤلَّف Statique ل - بوسّو ( Bossut ) ، المنشور لاحقاً في مصر ، ولكن المحقَّق في إسطنبول ( بوسّو ، ترجمة نور الدين ، " كتاب جرّ الأثقال " ، ص 2 - 3 ) . ( 2 ) - الطوسي ، " كتاب أقليدس " . ( 3 ) * أي مدرسة المهندسين ( المترجِم ) . ( 4 ) - راجع إحسان أوغلو : ف hsano lu , " Introduction of Western Science to the Ottoman World " , pp . 99 - 101 . ( 5 ) - لوجاندر ، Legendre , Kitab - i Usul - i Hendese , ترجمة أدهم ، ص 246 - 247 .