نخبة من الأكاديميين
736
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ضخماً ، وذلك بفضل أعمال " معهد مصر " والعلماء الفرنسيّين المرافقين لبونابرت ؛ إلّا أنّ الحدث أفاد المعارف الأوروبيّة باتجاه أوروبا أكثر ممّا أفاد التطوّر العلمي على ضفاف النيل . لأنّه ، وبالرغم من بلاغة الخُطَب التي تحدّثت عن " تقدّم وانتشار الأنوار في مصر " ، يبدو أنّ جهود الفرنسيّين من أجل إقامة تربية علميّة وتقنيّة باتجاه المصريّين ، لم تتخطّ سقف النوايا الفاضلة والتعليم المحدود لبعضٍ قليلٍ من التقنيّات ؛ حتّى أنّ الأمر انتهى ( بالفرنسيين ) إلى الحذر من تعليم من هذا النوع ، خوفاً من المجازفة بقيامة تنافس ؛ وقد جرى أحياناً العمل سرّاً " كي لا يلحق الضرر بتجارة فرنسا " « 1 » . وكما كتب رشدي راشد : " مثّلت مصر بالنسبة إلى البعثة حقل تنقيب ، ولا مجال للكلام عن نقل حيث لا وجود ، لا لعرض العلم ولا لطلبه " « 2 » . 3 . التحدّي الأوروبي تبدّل موقف العالَم العربي والإسلامي حيال العلوم الأوروبيّة ، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، تحت وطأة التمدّدات الإقليميّة والضغوطات المتنوّعة التي مارستها السلطات الأوروبيّة . فلم تَكُف الإمبراطوريّة العثمانيّة عن فقدان أراضٍ بمواجهة النمسا - هنغاريا وروسيا . وفي بلاد فارس ، كان على السلطة الجديدة لسلالة قَجَر أن تواجه في الوقت نفسه ، الضغط التوسّعي لروسيا في الشمال ، والتهديدات البريطانيّة في جنوب الإمبراطوريّة وشرقها . وفي مصر التي كانت محتلّة من قِبَل الفرنسيّين طيلة ثلاث سنوات ، استولى البريطانيّون بالمفاجأة على الإسكندريّة عام 1807 ، ممسِكين بالمدينة لمدّة ستّة أشهر . وفي الجزائر ، بدأ في العام 1830 غزوٌ فرنسي لم يكن ليطمئن الدول المجاورة ، انتهى إلى الاستعمار الطويل الذي نعرف . وقد تنبّهت البلدان المستقلّة في المنطقة ، أو تلك التي لها صفات الاستقلال ، إلى التفوّق التكنولوجي للجيوش الغربيّة . وقاد إدراكُها لهذا الأمر إلى أوّل نوع من أنواع الرد : استحضار خبراء أوروبيّين ، إرسال طلّاب إلى أوروبا للتعلّم ليشكِّلوا مستقبلًا الكوادر العلميّة للبلد ، وخاصّة تأسيس مدارس حربيّة على غرار المدارس الحربيّة في أوروبا ، من أجل تكوين محلّي لضباط للبحريّة ، وللمدفعيّة أو للهندسة . هذا ما سنفصّله في مقالنا هذا في حالة تركيا ومصر . ولكنّنا نجد هذا الأمر أيضاً في تونس مع إنشاء مدرسة " باردو " متعدّدة التقنيّات ( « 3 » * ) عام 1838 أو في بلاد فارس مع تأسيس دار الفنون في العام 1851 ، كما نجده في بعض مناطق العالم الأخرى كاليابان تحت سلطة سلالة توكوغَوا . تجدر الإشارة إلى أنّ هذه
--> ( 1 ) - حسب كونتي ( Conte ) ، آنئذ عضو في البعثة الفرنسيّة ( بريت ( Bret ) ، " كونتي " ، ص ) 341 . ( 2 ) - أنظر راشد ، Rashed , " Science classique et science moderne " , p . 25 . ( 3 ) ( * ) مدرسة بوليتكنيك باردو l'Ecole Polytechnique du Bardo ( المترجِم ) .