نخبة من الأكاديميين
733
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وفي صُلب أعمال بعض العلماء الأوروبيين بالذات ، من العبور نحو أشكال أخرى من العقلانيّة « 1 » ، وأفضى فيما بعد إلى تصنيفات أخرى للمعارف ، وإلى تنظيم مؤسّساتي للعلم ، وإلى رؤىً أخرى للتطبيق . لكن ، عندما بدأت الانطلاقة الحقيقيّة للعلوم الأوروبيّة ( بفضل الترجمات من العربيّة إلى اللاتينيّة ومن ثمّ بفضل تكوين التقاليد التي أدّت هذه الترجمات إلى نشأتها في جميع حقول العلوم الكلاسيكيّة كالهندسة ، والجبر ، وعلم المناظر ، وعلم الفلك ، إلخ . ) بدأت تذوي جذوة الإنتاج العلمي في بلاد الإسلام . ومع ذلك ، استمرّ بعض المثقّفين ، ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر ، بِضَخِّ الحياة في عروق الأعمال العلميّة الموروثة ، وبتغذيتها أحياناً بشروحاتهم وتعليقاتهم . وبالطبع لم يبلغ البحث القمم التي بلغها في القرون الماضية ( حيث أنّ الإطار النظري بقي إطار العصر الذهبي للحضارة الإسلاميّة ) ؛ وهكذا تأبّدت دراسة مؤلّفات مثل كتب " كامل الصناعة " للمجوسي ، و " القانون " لابن سينا أو " موجز القانون " لابن النفيس ، من أجل ممارسة الطب . أمّا فيما يتعلّق بعلم الفلك ، ولأسباب مرتبطة ببعض السمات المميِّزة للحضارة الإسلاميّة تحديد التقاويم ، ومواقيت الصلاة ، وتحديد القِبلة ، إلخ . - فيبدو أنّ تقاليد البحث بقيت ناشطة بشكل ملحوظ وبوجه خاص في مجال هذه التطبيقات بالذات . وهكذا فإنّ بعض علماء الفلك التقليديين ، وإن قلّ عددهم ، من الملحقين ببعض الجوامع الكبرى أو المكلَّفين مباشرة بخدمة السلطان في إسطنبول ، قد استمرّوا بإنتاج نصوص علميّة تتعلّق بعلم الفلك التطبيقي ( التقاويم ، وتحليل الأدوات الضروريّة للحساب ، والمزاول الشمسيّة ، إلخ . ) ، وبممارسة النشاطات التي كانت نشاطاتِ أسلافهم . على سبيل المثال ، كانت هذه في مصر ، حالة حسن الجَبَرتي ( 1698 - 1774 ) ، الذي يمكننا ، بفضل السيرة الطويلة لحياته التي كتبها ابنه عبد الرحمن « 2 » ، معرفة تكوينه العلميّ . فبعد أن تأهّل ليكون معلّماً في العلوم الدينيّة التقليديّة ، ممّا يفترض بعض الإلمام بالمبادئ الأوّليّة لعلم الحساب والجبر ، الضروريَّين مثلًا لتقسيم الإرث والتركات ( " علم الفرائض " ) ، بدأ حسن الجَبَرتي بدراسة ما يتعلّق بأدوات علم الفلك وتطبيقاته ، من خلال مؤلِّفِين متأخرين مثل سِبط المارديني ( المتوفّى حوالي العام 1506 ) ومعلّمِه ابن المجدي ( المتوفى عام 1446 ) . ومن ثمّ قاده علم الفلك إلى دراسة مؤلّفِين مثلَ الجغميني ( المتوفى عام 1221 ) وقاضي زاده الرومي ( 1364 - 1436 ) ، ومؤلَّفات مثل " التبصِره " للخِرَقي ( المتوفى في 1128 - 1129 ) و " التذكِره " لنصير الدين الطوسي ( 1201 - 1274 ) . وفي الهندسة ، درس نصوصاً مثل " أشكال التأسيس " للسمرقندي ( المتوفى عام 1203 ) ، و " الأصول " لأقليدس في صيغة تعود للطوسي عينه ، وكُتُباً لعدد من المؤلّفين العرب واليونانيين مثل منيلاوس أو أرخميدس ، مجمّعة في مؤلّف يحمل اسم " كتاب المتوسطات " باعتبارها الكتب التي تُستحسن دراستها ما بين دراسة
--> ( 1 ) - أنظر مثلًا ، فيما يخص الرياضيّات : راشد ، Rashed , " La periodisation des mathematiques classiques " . ( 2 ) - الجَبَرتي ، " عجائب الآثار " ، III ، 56 - 104 .