نخبة من الأكاديميين
734
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
" الأصول " ودراسة " المجسطي " . وقد قرأ أيضاً مقالة الحسن المراكشي ( القرن الثالث عشر ) حول الأدوات الفلكيّة ، واهتم بنظريّة الأعداد ( " عِلم الأرِثماطيقي " ) وبقياس الأشكال المسطّحة والمجسّمة ( " علم المساحة " ) . وهذا يدلّ على اطّلاعِه على مجموعة معارف علميّة لا يستهان بها ، وعلى أنّه تطرّق إلى مختلف العلوم الكلاسيكيّة ، مع تفضيل لعلم الفلك وتطبيقاته . إضافة إلى ذلك ، سنجد هذا التفضيل عند مراجعة محتوى المؤلّفات التي تركها حسن الجَبَرتي نفسه والتي يقارب عددها العشرة في مواضيع مختلفة : استخدام لربعيّتي " المُجَيَّب " و " المُقنطَر " ، استخدام لنصف الدائرة الاستوائيّة ، نظريّة المزاول الشمسيّة ، الحساب الستّيني ، تحديد القِبلة ، علم الموازين ، والهندسة العمليّة . لا يُشكِّل حسن الجَبَرتي مثلًا معزولًا ، إذ نجد شبيهاً لحالته في مراكز ثقافيّة أخرى من العالم العربي ، كما في تركيا ، وفي بلاد فارس أو الهند . يُستحسن التذكير هنا ، بأنّ العربيّة استمرّت في ذلك العصر بالحفاظ على دورها كلغة علميّة وهو الدور الذي كانت قد اضطلعت به على الدوام ، دون أن يكون ذلك وقفاً على البلدان العربيّة وحدها . فبالرغم من قيام بعض الترجمات من العربيّة إلى التركيّة ، الفارسيّة أو الأرديّة ، ومن تأليف بعض الأعمال ، سهلة المنال ، مباشرةً بهذه اللغات ، إلّا أنّ التكوين العلمي للمتعلّمين في هذه البلاد استمرّ باللغة العربيّة ، كما استمرّت اللغة العربيّة لغة التأليف فيها بالنسبة إلى الجزء الأكبر من إنتاجها العلمي « 1 » . لكن بقاء هذه النشاطات العلميّة التقليديّة لم يقتصر على القرن الثامن عشر . فحتّى بينما كان التدريس والامتهان يتطوّران على أساس العلوم الجديدة الوافدة من أوروبا ، كان بعض المتعلّمين التقليديّين يستمرّون من جهتهم بإنتاج نصوص علميّة وبممارسة نشاطات على نمط تلك التي كان يقوم بها أسلافهم في القرون السابقة . ومن المؤكّد أنّ وجود هؤلاء المتعلّمين ووجود أعمالهم لم يكن خافياً على القائمين بالتحديث العلمي ؛ يشهد على ذلك ، في الحالة المصريّة ، المقطعان اللذان يكرّسهما علي مبارك في مؤلَّفه " الخطط التوفيقيّة . . . " لسيرة خليل العزّازي « 2 » . العزّازي هذا ، كان مدرّساً في عائلة غنيّة من مالكي الأراضي ، اكتسب نوعاً من الشهرة بفضل معلوماته في علم القياس الفلكي للوقت ( " علم الميقات " ) ومارس نشاطاً علميّاً لابدّ من أن يُذكِّرنا بنشاط حسن الجَبَرتي ، خاصّة وأنّه ، هو أيضاً ، كتب بعض الكتيّبات في الحساب الستّيني ، وفي استخدام ربعيّة " المقنطَر " ، وثلاثة مؤلَّفات ، أكبر حجماً ، في المزاول الشمسيّة ، وهي أعمال سيذكر بعضها إمام الأزهر في السنوات 1890 ، على أنّها جزءٌ من النصوص المدرَّسة في ذلك العصر في تلك المؤسّسة « 3 » . لكنّ هذه النشاطات العلميّة لم تكن فقط تأبيداً لمعرفةٍ قد تبدو جامدة . فقد استطاعت أيضاً أن تسجِّل ، في بعض المراكز الفكريّة الناشطة بشكل خاص ، تقدّماً ملموساً على صعيد
--> ( 1 ) - لدراسة التوزيع ، وفق اللغة ، لكتب علم الفلك والرياضيّات المؤلَّفة في تركيا بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر ، أنظر : ف hsano lu ق e en : Osmanl Astronomi Literat r Tarihi , p . CX et Osmanl matematik literat r tarihi , p . XCIV . ( 2 ) - مبارك ، " خطط " ، XIV ، 3 - 4 و XV ، 10 . ( 3 ) - بيرم ، " الجامع الأزهر " ، ص 33 .