نخبة من الأكاديميين

732

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة التي حصلت في القرن التاسع في بغداد ، في علاقة جدليّة متينة مع بحث علمي شديد النشاط « 1 » ، لم يوجد في هذا التجمّع الحضاري ( أي العربي الحديث ) ، مدينة علميّة حقيقيّة مؤهّلة لاستقبال المعارف الجديدة ؛ وأكثر من ذلك ، تطلّع الحكّام ، كلّهم ، إلى تطبيقات العلم أكثر ممّا رموا إلى تشكيل وسط علمي حقيقي ؛ وبهذا الصدد ، هناك أمر ذو دلالة خاصّة ، وهو أنّ جامعات المنطقة لم تنشأ ( وبصعوبة ) قبل النصف الأوّل من القرن العشرين أي بعد أكثر من قرن من الشروع بعمليّة النقل . فيما يلي من مقالنا هذا ، سنتناول بالطبع كلًّا من هذه النقاط . ومن الطبيعيّ ألّا يكون بوسعنا أن نعرض بدقّة كل الأوضاع أو الحالات . فسنكتفي بإيراد الحالات التي تبدو لنا الأكثر تمثيلًا ، ونعمد إلى تمييز وتقييم مختلف العوامل التي انطوت عليها . 2 . الإرث العلمي للبلاد الإسلاميّة نبدأ بالإشارة إلى مصادرة حول إدخال العلوم الحديثة ونشرها في بلاد الإسلام ، سادت لوقت طويل ، سلّم بها معظم الخبراء الأوروبيين المرتبطين بهذه العمليّة ، وتبنّاها فيما بعد مثقّفو هذه البلاد الذين تطرّقوا إلى التفكير بحدود هذه العمليّة وبانعكاساتها . تتلخّص هذه المصادرة بأنّه ، عند نقل العلوم الحديثة إلى هذه البلاد ، كان كل نشاط علمي قد اختفى منذ زمن طويل ، وأنّ هذا النقل حصل بالتالي على أرضٍ بكرٍ ، إن جاز التعبير . هذه المسلّمة ليست غير صحيحة فحسب ، بل هي أيضاً تُضلِّل أيّ فهمٍ حقيقيّ لمسار عمليّة النقل ؛ لا يأتي هذا التضليل من كون بنية استقبال المعارف الجديدة قد تمّ تصوّرها تِبعاً للنشاطات العلميّة الموجودة عند نقل العلوم ، بل بالأحرى ، وكما سنرى لاحقاً ، لأنّ القائمين بحركة النقل لم يكن بمقدورهم تجاهل هذه النشاطات الموجودة . علينا إذاً العودة إلى حالة هذه النشاطات ، وبدايةً إلى علاقتها بالعلوم الأوروبيّة . خلافاً لبعض المناطق كاليابان أو الصين ، فإنّ البلاد ذات الثقافة الإسلاميّة لها في الواقع ، ميزة ، هامّة بالنسبة إلى موضوعنا . فهذه البلاد هي ، بدرجات متفاوتة ، وريثة تقاليد علميّة تقاسمت إرثاً واسعاً مشتركاً مع العلوم التي تراكمت في أوروبا حتى منتصف القرن السابع عشر . ومن الضروري أن نذكّر هنا أنّ هذه العلوم ، والتي بُني عليها ما سُمّي فيما بعد ب - " العلوم الحديثة " ، هي حقّاً وريثةً للعلوم العربيّة - الإسلاميّة التي حصلت في القرون الوسطى . ولكي نكون أكثر دقّة نقول إنّ هاتين المجموعتين * « 2 » اشتركتا في حركة تاريخيّة واحدة شكّلت ، انطلاقاً من العلوم الإغريقيّة والهللينستيّة ، مجموعةً واحدة ، أوسع ، يمكن أن نطلق عليها اسم " العلوم الكلاسيكيّة " . ولا ينبغي أن نبالغ بدور التنوّع الجغرافي ؛ وإذا كان هنالك قطيعة بين نوعين من العلوم ، الكلاسيكيّة والحديثة ، فهي بالحري نتاج ما جرى ، في قلب أوروبا بالذات ،

--> ( 1 ) - أنظر راشد ، Rashed , " Problems of the transmission " . ( 2 ) * أي مجموعة العلوم العربيّة في العصور الوسطى ومجموعة العلوم الأوروبيّة حتّى القرن السابع عشر ( المترجِم ) .