نخبة من الأكاديميين
69
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تعمدوا تقديم ما عرفوه في صورة مسيئة ، وعبثوا في نصوصهم عبثًا يخدم أغراض الدعاوة ضد الإسلام لتخويف أتباعهم منه ومن المؤمنين به . وقد انتقل هذا الموقف الفكري إلى رجال الكنيسة الكاثوليكية في الغرب الأوروبي ، وظلت أصداؤه تتردد في الكتابات اللاحقة بحيث صاغت صورة وجدانية عاطفية ظالمة ضد الإسلام والمسلمين في أذهان الأوروبيين . ومن أمثلة الكتابات المسيحية الشرقية التي نقلت تأثيراتها إلى العقل الأوروبي ، تلك الكتابات المنسوبة إلى واحد من أشهر الذين كتبوا باليونانية ، وهو أيضًا واحد من آخر جيل يكتب بهذه اللغة في شرق المتوسط بعد الفتوح الإسلامية ، وهو « يوحنا الدمشقي » ( ذهبي الفم ) الذي كتب في ثلاثينيات القرن الثامن الميلادي / الثاني الهجري . ويعتبر « يوحنا » أهم علماء اللاهوت الأرثوذوكس في العالم الناطق باللغة اليونانية آنذاك . وعلى الرغم من الدور الهائل الذي لعبه في محاربة الأيقونية ( أي عبادة الصور والأيقونات ) ، فإننا لا نعرف سوى القليل عن حياته بشكل مؤكد . وربما يكون من أسرة نصرانية ذات أصول يونانية ، ثم تعربت ؛ إذ إن الطبري يشير إلى أن أباه « سرجون بن منصور الرومي » ، كان كاتب الخراج لكل من الخليفة الأموي الأول « معاوية بن أبي سفيان » ، وابنه « يزيد » . ويشير المؤرخ البيزنطي ثيوفانيس إلى أن اسم « منصور » هو اسم نسبه الذي ينتهي إلى جده المسمى « منصور بن سرجون » الذي كان مسؤولًا عن الإدارة المالية لمدينة دمشق في عهد الإمبراطور البيزنطي « موريس » ( 582 - 602 م ) ، كما إن هذ المنصب كان منصب العائلة عندما زار هرقل مدينة دمشق سنة 630 م . ومن الواضح أن المنصب بقي متوارثًا في العائلة لأن والد يوحنا « سرجون بن منصور » عمل في خدمة معاوية وابنه يزيد حسبما أسلفنا . وقد بالغت المصادر اليونانية ، واللاحقة منها بصفة خاصة ، في المكانة التي تمتع بها يوحنا الدمشقي في الإدارة الحكومية الإسلامية ، فذكرت أنه كان كبير الموظفين ؛ على حين سكتت المصادر العربية تمامًا عن ذكر تولي يوحنا أية وظائف حكومية ، ولكنها أكدت أن أباه قد ترك وظيفته بعد تعريب الدواوين سنة 96 ه - ( حوالي سنة 700 م ) . ومع أن الكتاب اليونانيين المعاصرين كانوا يشيرون إليه ببساطة بلقب « الراهب » أو « القسيس » ، فإن المجمع المسكوني السابع الذي عُقد سنة 787 م قد بالغ في تبجيله ، وجاء في مراسيم ذلك المجمع أن « يوحنا » الذي كان الجميع ينادونه باسم " منصور " قد اختار أن « يعاني مع شعب الرب بدلًا من التمتع بمباهج الخطيئة الزائلة » . وعلى الرغم من أنه لم يكن مؤرخًا ، ولم يترك لنا شيئًا يفيدنا في معرفة شيء عن رؤيته للمسلمين من ناحية ، أو العلاقات بين المسلمين والنصارى آنذاك من ناحية أخرى ، فإن بعض الباحثين الغربيين المحدثين ينسبون إليه نصًا في كتابه الرئيس الذي يحمل عنوان « ينبوع المعرفة » وهو يمثل أهم عرض منهجي منظم للعقيدة الأرثوذوكسية . وعلى الرغم من أن هناك قدرًا كبيرًا من الجدل حول نسبة ما هو مكتوب عن الإسلام في هذا الكتاب إلى « يوحنا الدمشقي » ، لأن الفصل الذي يضم هذه الآراء يبدو منفصلا عن سائر الكتاب من حيث طوله ، ومن حيث الأسلوب الذي كُتب به ، فإنه يكشف عن هجوم