نخبة من الأكاديميين
67
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
كانت دولتهم آخذة في الإتساع على أيامه . وفي البداية تميزت كتابات بيديه عن الإسلام بحيادية نسبية تقل فيها العداوة عما حملته الكتابات اللاحقة ، ولكنه تخلى عن حياديته مع بداية الغزو الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية واقتراب خطر المسلمين من الجزر البريطانية ، فاعتبر المسلمين أعداء المسيح ، وأتباع الشيطان Fuciffer الخاطئ ، كما اعتبرهم شعبًا بلا جذور يعيشون حياة الترحل . كما أنه ابتهج كثيرًا لهزيمة المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي على أيدي جيش الفرنجة بقيادة شارل مارتل في معركة تور - بواتييه ( بلاط الشهداء ) سنة 115 ه - / 732 م المنوه بها آنفاً . هذه ، باختصار ، ملامح رد الفعل المسيحي ضد ظهور القوة الإسلامية الجديدة في عالم البحر المتوسط ، ورؤية المسلمين للمسيحيين في هذا الدور أيضًا . حقًا كان المسيحيون يزعمون أن الإسلام ديانة زائفة ( مع الاعتراف بأنه ديانة توحيدية لا سيما من قبل المسيحيين الشرقيين ) ، كما كان هناك وعي بالمخاطر السياسية التي يمثلها انتشار الإسلام وتوسع الدولة الإسلامية في المصادر المسيحية الشرقية والغربية على السواء . ولكن لغة الكتابة في تلك المصادر لم تكن على درجة العنف الهيستيري التي شهدتها فترة الحروب الصليبية على أية حال . ومن ناحية أخرى ، كانت آراء المسلمين ومواقفهم تجاه العالم المسيحي ( البيزنطي والغربي ) تتسم بالاعتدال والفهم حسبما أشرنا . ولم تكن الفكرة الإيديولوجية عن الحدود الفاصلة بين « دار الإسلام » و « دار الحرب » فكرة يساندها الواقع التاريخي سواء على الحدود في مناطق الثغور بين المسلمين والبيزنطيين في الشرق ، أو بين مسلمي إسبانيا ومسيحي أوروبا في الغرب . وهنا لابد أن نضع في اعتبارنا أن الذين كتبوا عن وجهة النظر المسيحية الأوروبية كانوا في الغالب الأعم من الرهبان ورجال الكنيسة الذين حكمتهم الاعتبارات الدينية ، لا الوقائع التاريخية الحقيقية . وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الكثير من هذه الكتابات كان يتوخى ما يجب أن يكون وفقًا للرؤية المسيحية للتاريخ ، وليس الوقائع التاريخية التي حدثت بالفعل . كانت المواقف الأوروبية ضد الإسلام والمسلمين في تلك المرحلة تتسم بالعداوة ، ولكنها كانت عداوة ناجمة عن الجهل والخوف ، وإن بقيت متعقلة بدرجة ما . بيد أن « الجهل » و « الخوف من المعرفة » كانا من أهم خصائص الموقف الأوروبي آنذاك ؛ وربما يمكننا تفسير هذا من خلال إحساس أوروبا بالدونية إزاء العالم الإسلامي نظرًا للتفوق الإسلامي الساحق على المستويات العسكرية والاقتصادية والفكرية في تلك الفترة من تاريخ العلاقات بينهما . وعلى الجانب الإسلامي ، شهد القرن السابع الميلادي / الأول الهجري حركة الفتوحات الإسلامية الهائلة التي استمرت خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين ( الثاني والثالث الهجريين ) وفي هذه المرحلة الباكرة أقبل المسلمون على ترجمة تراث الحضارات القديمة كما أشرنا ، وكان تفاعلهم مع الديانتين الأقدم متوازنًا في إطار من الحقوق والواجبات التي نظمها « عقد الذمة » مع أتباع اليهودية والمسيحية . ولكن الأمر اللافت للنظر أن المسلمين بفضل إيمانهم بأن الإسلام هو آخر الرسالات السماوية ، لم يكن