نخبة من الأكاديميين
648
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بعدما كان الأشاعرة الذين كانوا ذوي عصبية محافظة قد تمكنوا من التغلب على المعتزلة المعتقدين بحرية الفكر وتصدر العقل ، وبعدما هيمن الأتراك على السياسة الإسلامية . وبذلك تم تعطيل جهود العلماء المسلمين ، وخسر العلم والفلسفة فرصة الازدهار والتقدم . ولطالما كان العلم والفلسفة مرتبطين بالطب بصلات وثيقة ، وكلمة « الحكيم » - كما هو معروف - ما تزال تطلق على كل من الطبيب والفيلسوف . وهكذا انتهى العصر الذهبي للعلوم الإسلامية طبقاً لما كان سائداً في زمن خلافة هارون الرشيد ، وقد كان وصل إلى أوج ازدهاره ما بين عامي ( 750 - 850 م ) / ( 133 - 236 ه - ) ( 16 ) . ويمكن ها هنا الاستناد إلى كلام الدكتور زرينكوب إذْ يقول : « في الواقع بدأ عصر التجديد في أوروبا عندما تراجعت هيمنة الكنيسة لصالح التعصبات القومية والمحليّة ، بينما انحطت الحضارة الإسلامية عند ظهور القوميات وزوال التعايش والوحدة التي كانت في ما بينها » ( 17 ) . من جهته ، الدكتور هنري . زيغريست ( 1891 - 1947 م ) رئيس معهد التحقيق في تاريخ الطب بجامعة جون هوبكنز ، أشار في كتابه « تاريخ الطب في العالم » إلى الخدمات العلمية الجلَّى لابن سينا والرازي فيقول : « كان في ذلك العصر عددٌ كبير من الأطباء البارزين ولكن اثنين منهم ( الرازي وابنسينا ) يستحقان ذكراً خاصاً ، ليس لاشتهارهما دون الآخرين فحسب بل لتأثيرهما الشديد في علم الطب الغربي أيضاً » . ( 18 ) في سياق موازٍ يذكر البروفسور " مانفريد أولمان " في كتاب " الطب الإسلامي " أهمية انتقال علم الطب اليوناني القديم بواسطة المسلمين إلى الغرب ، لكنه يعتقد أن : « الطب الإسلامي هو نفسه طب اليونان القديم ، وأنه ترجم إلى العربية في مناطق جنوب وغرب البحر الأبيض المتوسط في القرن الثالث هجري / التاسع م ( . . . ) ومع الطب ترجمت علوم أخرى كالفلسفة والرياضيات والنجوم حيث حوّلت عالم الإسلام إلى طراز يوناني » ( 19 ) . والواقع أن المعطيات التاريخية تشير إلى خلاف ذلك كما ذكرنا ، فالطب الإسلامي ، هو مزيج من الطب اليوناني والفارسي والهندي ، وأضيفت إليه تجارب وإبداعات وإضافات هامة في البلدان الإسلامية . وكما ذكر الدكتور المرحوم محمود نجم آبادي ، أستاذ تاريخ الطب في جامعة طهران ، فإن الطب في إيران القديمة ، وعلى ضفاف دجلة والفرات ، وفي الهند ، كان ذا أهمية بارزة قبل ظهور معالمه المعروفة في اليونان ( في كانيدوس عام 700 ق . م ، وفي مدينة كوس موطن أبقراط في القرن السادس قبل الميلاد ) ( 20 ) . كما ذكر " جيرهارد فنتزمر " في كتابه « الطب منذ خمسة آلاف عام » أن : « أول وصفة للعلاج في التاريخ تنتسب إلى شرائع " حمورابي " الذي كان ملكا " ببابل منذ حوالي 2200 عام ق . م . ، أو إلى خمسة قرون بعد ذلك ، حسب رواية علماء الآثار » . قال أيضا : « حين استقر الآشوريون في بلاد الرافدين في القرن الثالث عشر ق . م . استحضروا معهم إلى تلك الديار أفكارا " جديدة وهامة في الطب » ( 21 ) .