نخبة من الأكاديميين
63
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تفسير النبوءة أن يأجوج يمثل شعب الفيزيقوط الذين كانت إسبانيا الأرض التي عاشوا فوق ترابها حين نجحوا في انتزاعها لأنفسهم في غمار حركة الغزوات الجرمانية ؛ وبسبب خطاياهم تعين عليهم أن يدفعوا الجزية للمسلمين . وقال المؤلف الذي كان يكتب سنة 833 م إن هناك نبوءات تقول إنه في غضون أشهر قليلة سوف ينتهي حكم العرب وسيعود السلام إلى الكنيسة الإسبانية . ومرت سنة 833 م ولم تتحقق النبوءة بطبيعة الحال . ومع هذا ، فإن فكرة أن يأجوج كان يحكم الشمال ، وأن الغاصب إسماعيل ( أي المسلمين ) كان يحتل بقية البلاد ، ظلت باقية بطريقة أو بأخرى لتكون أساسًا لفكرة الاسترداد Reconquesta التي صارت مصطلحًا دالًا على الحرب التي شنها الكاثوليك الإسبان ضد المسلمين في الأندلس . فإذا ما نظرنا إلى الجانب الإسلامي في الأندلس نجد الصورة مماثلة تمامًا ؛ إذْ إن الكُتاب المسلمين اسخدموا كلمة بعينها للإشارة إلى الخط الفاصل بين العالمين الإسلامي والمسيحي وهي كلمة « ثغر » ( جمعها ثغور ) . وهي كلمة مثيرة تمامًا لأن ابن منظور في « لسان العرب » يُعرّفها بأنها شريط الأرض الذي يفصل « دار السلام » عن « دار الحرب » ؛ ومن ثم فإنه بعد الخروج من « الثغر » يصير الجهاد فرضًا على كل حاكم مسلم . وتؤكد النظرية السياسية الإسلامية على أن أحد الواجبات الرئيسة للحاكم المسلم أن يدافع عن الثغور ويمدها بما يلزمها من قوات . وإذا كان الكتاب الأندلسيون في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي قد تملكتهم فكرة الشرعية الدينية والسياسية لحكامهم ( الذين أقاموا دولة منفصلة عن الخلافة العباسية التي قامت سنة 132 ه - على أنقاض الخلافة الأموية ) ، فإنهم لم يفوتوا الفرصة لكي يبينوا كيف حرص الأمويون في الأندلس على القيام بواجب الجهاد دفاعاً عن دار الإسلام . ولكن الحقيقة التاريخية تأبى الانصياع لمزاعم الإيديولوجية الدينية . وذلك أن المثال الإسباني نفسه يكذب هذه الإيديولوجية على الجانبين . فقد أثبتت الدراسة أن الذي سكن شمال شبه جزيرة إيبيريا لم يكن يأجوج ، وإنما عصبة من الشعوب البدائية التي لم يكن هدفها الدفاع عن المسيحية ( لأنهم لم يعتنقوا المسيحية سوى في مرحلة متأخرة ، وهذا ما يجعل الفكرة الإيديولوجية عن الحدود الإسلامية - المسيحية تتداعى وتنهار . ومن ناحية أخرى ، فإن فكرة الحدود ، أو الثغور ، قد نشأت في مشرق العالم الإسلامي أساسًا ، وكان لها معنى خاص للغاية في النظرية السياسية الإسلامية ارتبط بالجهاد وواجب حماية هذه الثغور بالرباطات ( مفردها رباط ) التي كانت تحصينات تأوي المحاربين المسلمين الذين مزجوا بين واجباتهم العسكرية والحياة الدينية القويمة . وعلى الرغم من هذه الصياغات البلاغية الواردة في كتب الفقه ، فإن الأمر لم يكن كذلك على مستوى الوقائع التاريخية . ففي أعالي بلاد الشام ، حيث الحدود المشتركة بين المسلمين واليزنطيين ، كان المسلمون يأخذون بزمام المبادرة ضد الروم « البيزنطيين » حتى أنهم فرضوا حصارًا طويلًا على القسطنطينية أكثر من مرة . كما كانت لكل مدينة في الشام وآسيا الصغرى