نخبة من الأكاديميين

64

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

تحصيناتها وقلاعها التي تنتمي إلى فترات سابقة على ظهور الإسلام ، بل وعلى وجود القسطنطينية نفسها . كما أن سكان مناطق « الثغور » هذه كانوا مزيجًا من المسيحيين والمسلمين . يضاف إلى ذلك فإن هذه المناطق شهدت تبادلًا بين المسلمين والبيزنطيين في حكم هذه المناطق ، ما يعنى في التحليل الأخير أن سكان الجانب المسلم لم يكونوا جميعاً من المسلمين ، وإنما كان بينهم عدد كبير من المسيحيين ، كما كان هناك عدد كبير من المسلمين يعيشون في الجانب البيزنطي ؛ بل إن القسطنطينية نفسها كان بها مسجد وحي للمسلمين . لم تكن حدود العالم الإسلامي ، أو العالم المسيحي إذن ، محددة على أساس العقائد الدينية ؛ سواء على الحدود مع الروم الشرق ، أو مع أوروبا الغرب . فقد كانت الجماعات الدينية المسيحية تعيش تحت الحكم الإسلامي في آسيا الصغرى وبلاد الشام والعراق ومصر . . . وغيرها . وكانت بعض هذه الجماعات تعيش في مناطق « الثغور » في أعالي بلاد الشام كما كان الحال في الرها وأنطاكية ، وفي الموانئ البحرية شرق المتوسط . وفي الأندلس ، أيضاً ، لم تكن الثغور تمثل خط الدفاع عن دار الإسلام ، بل كانت حدود الأندلس متداخلة مع حدود المناطق المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية ، كما كانت خليطاً مربكاً ومشوشاً من التناقضات . والواقع أن هناك أدلة كافية توضح أن الجماعات المسيحية كانت تعيش في قلب الثغور في الأندلس الإسلامية ، وهناك عدد من الوثائق التاريخية التي تُبرز هذه الحقيقة . وهنا نجد شرخًا يتسع باطراد في البنيان الإيديولوجي لفكرة الحدود الإسلامية - المسيحية . إذ أسهمت الحوادث السياسية والاجتماعية في المنطقة إسهامًا حاسمًا في تشكيل موقف كان في حالة من السيولة الدائمة في ثغور الأندلس . ففي تلك المنطقة واجه الأمويون ، في دولتهم الأولى وفي دولتهم الثانية ، الممالك المسيحية البازغة والعائلات الأرستقراطية والإقطاعية التي احتلت قطاعات كاملة في مناطق الحدود وحكمتها حكماً مستقلًا . ومن المثير أن بعض تلك العائلات كانت من أصول عربية ، وكان البعض الآخر من أصول بربرية ، في حين كان بعضها من أصول قوطية ، مثل أسرة بني قصي ( 714 - 924 م ) التي كان جدها الأعلى كاسيوس ( ت بعد 715 م ) من الفيزيقوط Visigoths . ولم يسبب له الفتح الإسلامي إزعاجاً كبيراً ، فقد اعتنق الإسلام واحتفظ بأراضي دوقيته الحدودية التي وسعها خلفاؤه وضموا إليها أراضي أخرى . وحتى النصف الأول من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ظلت تلك الأسرة عنوانًا لعدم اتساق الفكرة الإيديولوجية عن الحدود الإسلامية المسيحية ، كما بقيت تلك المنطقة عمومًا تفتقر إلى التجانس الضروري لجعلها منطقة حدود فاصلة بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي الكاثوليكي في أوروبا الغربية . وإذا عبرنا جبال البرينيس وجدنا مثالًا معاكسًا . ففي سنة 891 م استولت جماعة من الغزاة العرب على قرية غارد فرينيه Garde - Freinet ، بالقرب من فريجوس Frejus ( فراكسينتوم Fraxinetum ) ،