نخبة من الأكاديميين
62
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
( 3 ) التصورات والمفاهيم الإيديولوجية والحقائق التاريخية لابد أن نتوقف قليلًا هنا أمام الفكرة الشائعة في الكتابات التي ترجع إلى تلك الفترة وتصور انقسام العالم إلى جزءين يفصل بينهما خط رفيع هما دار الإسلام والعالم المسيحي ؛ فقد تمت على المستوى المعرفي ، ترجمة هذه الصورة المصطنعة إلى مجموعة من المفاهيم الواسعة تتحدث عن ديانتين متعارضتين ، وعن ثقافتين مختلفتين ، وحضارتين متخاصمتين . وفي هذا السياق الإيديولوجي صار « الإسلام » و « عالم المسيحية » مفهومين مجردين يحملان معنى أوسع وأشمل ، ولم يعودا مجرد اسمين لديانتين مختلفتين . ووجه الخطورة هنا أن هذا المفهوم ليس محددًا في مصطلحات تاريخية ، ومن ثم متغيرة ، بشكل واضح ؛ وإنما تم تحديده بالنماذج الظاهرة غير القابلة للتغير مثل : الدين ، أو اللغة أو الميراث الثقافي . لم يكن هذا الموقف الإيديولوجي قاصراً على الغرب الأوروبي وحده ، وإنما كان هناك موقف شبيه له في الجانب الإسلامي ؛ فقد تحدث الفقهاء المسلمون عن « دار الحرب » و « دار الإسلام » ولم يكن حديثهم في إطار المصطلحات والحدود الجغرافية ، والحقائق التاريخية ، وإنما في سياق ديني تحكمه مفاهيم المواجهة بين قوتين متخاصمتين . وقد غذت كتابات الفقهاء المسلمين من ناحية ، وكتابات علماء اللاهوت المسيحيين من ناحية أخرى ، هذا التصور الإيديولوجي لانقسام العالم . لكن الأحداث التاريخية الحقيقية كشفت عن تهافت هذا التصور المجافي للواقع التاريخي . هذه الرؤية ، حسبما يرى بعض الباحثين ، التي افترضت وجود الحدود بين « دار الإسلام » و « دار الحرب » بالنسبة للمسلمين ، أو « الإسلام » وعالم المسيحية بالنسبة للغرب الأوروبي ، قد بُنيت على أساس مصطنع تماماً عندما تجاهلت الدور الذي لعبته الإيديولوجيا في التعريفات والمفاهيم التي طورها الكُتاب في العصور الوسطى . بيد أننا نجد هنا قدرًا كبيرًا من الاختلاف والتباين بين الموقف الإسلامي والموقف الأوروبي الكاثوليكي . فقد كان الفقهاء المسلمون ، لا المؤرخون ، هم الذين طرحوا فكرة « الحدود » بين دار الإسلام ودار الحرب . وحفلت كتب التاريخ الإسلامية المعاصرة بالتفاصيل التي تنقض هذه الفكرة من أساسها من ناحية ، كما أن المؤرخين المسلمين لم يقولبوا الحوادث التاريخية التي دونوها داخل هذه الفكرة من ناحية أخرى . ولكن ما حدث في الغرب كان مختلفًا . فقد كان مؤلفو المؤرخات الأوروبية من القساوسة والرهبان . وكان من تقاليد الكتابة « التاريخية » في ذلك الحين أن يكتب التاريخ كما يجب أن يحدث وفقًا لتصورات الكنيسة ، وليس كما حدث بالفعل . ولدينا مثال على ذلك في حولية إسبانية عنوانها Cronica Profetica تقول : إن الرب أعلن للنبي حزقيال إنه ( أي الرب ) سوف يهجر إسماعيل ( أي المسلمين ) وأن يأجوج سوف يهزمه في النهاية . وكان