نخبة من الأكاديميين

58

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

في غمار الاستعداد للحملة الصليبية الأولى 1095 - 1099 م ؛ فأضحى العنف مرتبطاً في الوجدان الأوروبي بالإسلام والمسلمين . وهنا ينبغي أن نضع في الحسبان أنه كان هناك اختلاف في المواقف داخل أوروبا نفسها من الإسلام ، حتى في هذه الفترة المتقدمة . فقد كان الإسلام والمسلمون يشكلون مشكلة " بحر متوسطية " لا مشكلة أوروبية عامة ؛ إذ كانت إيطاليا وصقلية ، وجزر البحر المتوسط ، فضلًا عن إسبانيا ، هي التي جربت الاحتكاك الفعلي بالمسلمين ، وعانت من الغزو والحرب كما أفادت من تقدم الحضارة الإسلامية العربية وذاقت حلاوة ثمارها ، لا سيما بعد أن هدأت الأمور بعد استقرار الحكم الإسلامي ، لكن شمال أوروبا وغربها كانا تريان في المسلمين عدواً من بين عدة أعداء محتملين ، وكانت المشكلة بالنسبة إلى هذه الأنحاء مشكلة معرفية في أساسها . وسنجد بعد ذلك نغمة تشي بالبعد الجغرافي والمعنوي في كتابات شمال أوروبا عن المسلمين في عالم البحر المتوسط . فقد كان الإسلام لا يشبه شيئًا آخر في تجربتهم التاريخية بمعنى أنه كان ديناً جديداً ومختلفاً عن الأديان التي عرفوها من قبل . وكانت هناك أوقات بدا فيها أن من المقبول بالنسبة إلى الكتاب الأوروبيين آنذاك كتابة الموضوع الذي يخص المسلمين اعتمادًا على تخيلاتهم وتصوراتهم عن الإسلام والمسلمين ، بحيث تبدو كتابة الموضوع كله وكأنها النتاج الوهمي لخيال شرير . ولم يكن هذا الموقف في حقيقته سوى نتاج للجهل الذي تمت تغطيته باختراع الصورة الخيالية الشريرة للإسلام والمسلمين . وعلى الجانب المسلم لم تكن المشكلة قائمة ، أو في الأقل لم تكن قائمة بهذه الحدة . فلم تكن المسيحية أو السيد المسيح وقصته ومعجزة ولادته مسائل مجهولة بالنسبة إلى المسلمين . ذلك أن الوجود التاريخي للمسيحية قبل ظهور الإسلام في المناطق التي صارت في ما بعد مناطق إسلامية وفر لهم الكثير من المعلومات عن المسيحية ومذاهبها على أرض الواقع ؛ فضلًا عن أن أعداداً كبيرة من المسيحيين اعتنقوا الإسلام في القرون الأولى التي أعقبت ظهوره . ومن ناحية أخرى ، فإن القرآن الكريم خصص مساحة كبيرة لجوانب هامة من القصة الحقيقية للسيد المسيح " ع " وحياته على الأرض : منذ ولادته الإعجازية من أمه مريم العذراء ، وحتى رفعه الله . كذلك يؤمن المسلمون بنبوة المسيح " ع " على اعتبار بأن الإيمان بالرسل السابقين على النبي محمد " ص " جزءاً من أركان الإيمان الإسلامي ولايوافق القرآن الكريم ، بطبيعة الحال ، على فكرة ألوهية المسيح ، كما يرفض القول بأنه ابن الله ، وينكر حادثة الصلب على أساس أنه شُبِّه لمن ظنوا أنهم صلبوا المسيح أنهم فعلوا هذا . كما أن القرآن يتحدث عن السيدة مريم العذراء بقدر كبير من التبجيل ، كما يتحدث عن معجزات المسيح " ع " . كان للإسلام أيضا موقف صريح ومحدد بشكل قاطع في ما يتعلق بالدعوة إلى الإسلام ، سواء كانت هذه الدعوة موجهة إلى الناس كافة ، أو إلى المسيحيين واليهود ( أهل الكتاب ) بشكل خاص ، إذْ ينبغي أن تكون هذه الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . وقد رأى الإسلام السماح للجماعات المسيحية