نخبة من الأكاديميين
59
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
واليهودية بالبقاء داخل دار الإسلام ، وأن يتمتعوا بوضع « أهل الذمة » أي أن تتمتع هذه الجماعات بحرياتها الدينية والاجتماعية والاقتصادية ، على أن يؤدوا « الجزية » في ظل حماية الحكم الإسلامي . ويرى بعض المفسرين أن الجزية التي فرضت على « أهل الذمة » كانت جزاء تأمينهم في ديار الإسلام ، وحمايتهم ، والدفاع عنهم . كما يرى عدد من المفسرين أن أهل الذمة ، على الرغم من إيمانهم بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، كفروا بما جاء به محمد " ص " ؛ ومن ثم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ، لأن الإيمان بالرسول إيمان بالمُرسل . وهم بذلك يتبعون أهواءهم ولذلك وجب قتالهم حتى يعطوا الجزية . ومن ناحية أخرى ، لم تكن الجزية في واقع الأمر سوى « ضريبة دفاع » على حد تعبيرنا المعاصر . فهي مقابل مادي لقاء ما ينعم به أهل الذمة من حماية في ديار الإسلام . وعلى المستوى المعرفي ، كان المسلمون يعرفون الكثير عن المسيحية ، لكن إيمانهم بوحدانية الله كما سبق وذكرنا ، كان يعني علميًا إنكار الثالوث ، والتجسد ، وألوهية المسيح . كما أن الإسلام اعترف بمولد المسيح من عذراء ، وبالمميزات الخاصة والمعجزات التي تحققت على يديه بوصفه نبيًا من الأنبياء والرُسُل الذين اختارهم الله ؛ ولكنه رفض فكرة كونه الإله الابن داخل الثالوث . لقد كان معظم المسلمين الجدد هم أنفسهم المسيحيين السابقين الذين اعتنقوا الإسلام بعد نجاح حركة الفتوح الإسلامية على الشواطئ الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط . وحين اختلطوا بالعرب الفاتحين ( وكان هناك جزء مسيحي من عرب الشام والعراق بقوا على مسيحيتهم ) ، كان هناك نوع من الحوار الضروري بين المسلمين والمسيحيين . ومن ناحية أخرى ، لم ينبذ المسلمون التراث الثقافي للمناطق التي فتحوها ، وإنما أقبلوا على ترجمة واسعة النطاق لآثار هذا التراث ، مستعينين في عملية الترجمة الكبرى ببعض العلماء المسيحيين أنفسهم . وعندما انتقلت عاصمة المسلمين من المدينة المنورة في الحجاز إلى دمشق في بلاد الشام ، كان ذلك يعني الانتقال إلى وسط حضاري أكثر تأثرًا بالتراث الهيللينستي الذي يجمع بين الثقافة الإغريقية القديمة وثقافات مصر وبلاد الشام والعراق . لقد كانت البقعة التي نجحت الفتوحات الإسلامية في ضمها منذ الرابع الثاني من القرن الهجري الأول ( السابع الميلادي ) تنعم بحظ وافر من التراث الفلسفي بفضل المترجمين السريان المسيحيين على وجه الخصوص . وكانت مدرسة الإسكندرية ، حتى أوائل القرن السابع الميلادي ، تزدهر بعلوم الأوائل ، ولا سيما الطب . وكان يوحنا النحوي ، الذي كان من أهم شُرَّاح أرسطو ، من كبار الذين دافعوا عن العقائد المسيحية . أما في شرق العالم المسلم فقد ازدهرت العلوم اليونانية في البلدان التي كان أهلها يتكلمون السريانية والفارسية ، مثل الرها ( إديسا ) ، ونصيبين ، والمدائن وجنديسابور ، حيث ساد المسيحيون النساطرة ، وكذلك كانت الحال في أنطاكية التي كان سكانها من المسيحيين المونوفيزيتيين ، أي أتباع مذهب الطبيعة الواحدة في المسيح " ع " . كانت هذه المؤسسات العلمية والفكرية قبل ظهور الإسلام في المنطقة العربية الأساس الذي قامت عليه حركة الترجمة إلى العربية في ما بعد ؛ وكان من أبرز رجالها عدد من العلماء والمفكرين المسيحيين .