نخبة من الأكاديميين

57

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الأيبيرية ، يمثل مشكلة مخيفة ومصدر قلق وتهديد دائم لأوروبا في تلك الفترة من تاريخها . فقد كان المسلمون بالنسبة لأوروبا آنذاك « جارًا » قويًا وغنيًا ومخيفًا في آن ، كما كانوا يستثيرون عوامل الحسد في نفوس قادة المجتمع الأوروبي في تلك الفترة . التي كانت أوروبا فيها مجتمعًا لم يدخل بعد في مرحلة النمو . وفي القرون الأولى من تاريخ العلاقات الإسلامية / الأوروبية كان « الجهل » والعداوة من أبرز خصائص الموقف الأوروبي من الإسلام والمسلمين ؛ بيد أننا لا نستطيع تحديد هذا الموقف بشكل عام سواء من الناحية الزمنية ، أو من حيث النطاق الجغرافي . وثمة تفاوت في المواقف بحسب طبيعة الأماكن التي تعاملت مع المسلمين ، وبحسب درجة الوجود الإسلامي ومدى قربه أو بُعده . كانت المشكلة الأولى التي واجهت المسيحيين عمومًا بشأن الإسلام تتعلق بحقيقة هذا الدين ، وماهيته ، ورسالته ، ونبيه ، وطبيعة موقف الإسلام من المسيحية وعقائدها على المستوى اللاهوتي . كما تمثلت المشكلة أيضًا على المستوى الدنيوي في كيفية التعامل بالوجود الإسلامي الناجح سياسيًا وعسكريًا ، والمزدهر اقتصاديًا ، والمتفوق حضاريًا . وهنا نكرر ما سبق أن ذكرناه من أنه كان هناك قدر من الاختلاف الواضح بين موقف كل من المسيحية الشرقية ، والكنيسة الكاثوليكية التي تزعمتها البابوية من المسلمين ومن الإسلام . كما كان الأمر بالنسبة للمسيحيين في المنطقة العربية مختلفاً بشكل عام ، عنه في الأندلس وأوروبا . ولم يكن هناك ما يمكن أن يساعد الغرب الأوروبي في العصور الوسطى على فهم الدين الإسلامي فلم يكن له مثيل عرفه الأوروبيون في تاريخهم من قبل ، كما أن اللغة العربية كانت مجهولة تماما في أوروبا آنذاك . وفي ذلك الحين كان نجاح الإسلام باهرًا ، كما كان المسلمون جارًا يستثير في نفوسهم مشاعر مختلفة ومتضاربة بين الحسد والجهل والعداوة ، بحيث ارتسمت في العقل الأوروبي صورة عن المسلمين تشكل عالمًا من العنف والتخريب . وطوال القرون الأولى التي أعقبت ظهور الإسلام لم يحدث أي تطور حقيقي في الموقف الأوروبي ، بل ظلَّ هذا الموقف ثابتًا بصورة نسبية حتى فترة الحروب الصليبية . وعلى الرغم من أن صورة العالم الذي يسوده العنف والتخريب لم تكن في الحقيقة ناتجة عن قدوم العرب إلى أوروبا في غمار حركة الفتوح الإسلامية ، فإن الشحن الدعاوي في القرن الحادي عشر ( الذي خرجت أولى الحملات الصليبية في نهايته ) حفز الربط بين الإسلام والعنف والتخريب . ولقد كانت صور العنف والتخريب ترتبط في الذاكرة الأوروبية بأمم أخرى كثيرة أسبق في وجودها التاريخي من المسلمين ؛ ولم يكن العنف والتدمير اللذان ارتبطا بمعارك الفتوح الإسلامية في أوروبا متميزين عن أي « عنف » آخر حملته الذاكرة الأوروبية في تاريخها الذي شهد الكثير والكثير من الغزاة وعانى من موجات القتل والتدمير ، كما عرف في خبرته التاريخية مدى ارتباط العنف بالأطماع الاقتصادية والمواقف السياسية . ولم يكن المسلمون الذين غزوا أوروبا هم الذين « اخترعوا » العنف ، الذي لم يكن يمثل إلى الأوروبيين أمرًا غير مألوف . لكن الموقف تغير مع تيار الدعاوة القاسية ضد الإسلام والمسلمين