نخبة من الأكاديميين
534
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
التو بعض النتائج التي تفرض نفسها . فلقد كان الأساسي من الأعمال اليونانيّة معروفاً وتمّ نقله إلى العربيّة ؛ وتمّ نقل النصّ نفسه أكثر من مرّة أحياناً . هذا ما قصدناه عندما أكّدنا أنّ الترجمة كانت ضخمة ومتنوّعة ؛ ومن جهة أخرى ، نُقلت عدّة مؤلّفات إلى العربيّة قبل منتصف القرن التاسع ؛ وهذه المؤلَّفات ، أخيراً ، لم تُدرس فحسب ، إنّما خضعت لنقد علمي بدءاً من منتصف القرن نفسه . على سبيل المثال ، خضع كتاب " المناظر " لأقليدس وأيضاً مؤلَّف أنتيميوس التراللي « 1 » ، لنقد دقيق ومُفصَّل من قِبل الكندي . ولا يجب الاعتقاد بأنّ الترجمات توالت بالترتيب الذي أوردناه أعلاه . فالترتيب الذي اتُّبِع هو في الواقع ذاك الذي أملاه البحث ، وهذا ما سنراه لاحقاً . وقبل الخوض في هذه النقطة ، لنبدأ بلحظ الفرق بين مرحلتَيْ الترجمة ، ممّا يساعدنا على استخلاص معاييرها . وفي هذا المجال يشكّل مثال أنتيميوس التراللي إيضاحاً جيّداً . جرت الترجمة الأولى لمؤلَّف " المفارقات الميكانيكيّة " ( Paradoxes mecaniques ) لأنتيميوس التراللي ، بالتأكيد ، قبل منتصف القرن التاسع ، في الوقت نفسه الذي بدأ فيه ، على ما يبدو ، بحث بالعربيّة في المرايا المحرقة ؛ فأعمال الكندي وقسطا بن لوقا في هذا المجال لا تدع مجالًا للشك حول هذه النقطة . نستنتج ، عند الفحص المفصّل لهذه الترجمة ، أنّها ترجمة حَرفيّة وأنّها تستخدم مفردات قديمة ، بعني أنّ الكندي نفسه قد تخلّى عن هذه المفردات . الترجمة الثانية استفادت من البحث الذي كان قد بوشِرَ به ، لا باختيار مفردات أكثر صحّة وملاءمة فحسب ، إنّما أيضاً بتحسين المبنى اللغوي من أجل الوصول إلى نصٍّ أسهلَ قراءةً « 2 » . لم يمرّ هذا الاختلاف بين نمطَيْ الترجمة مرور الكرام في ذلك الوقت ، رغم غياب بُعدِه التاريخي عن البال . فلم تكن أبداً إثارة مسألة اختلاف أساليب الترجمة من قبيل الصدفةً ، في القرن التاسع وبعده . فقد ناقش الكندي في هذا الموضوع ، وكذلك بحث فيه الأديب والفيلسوف الجاحظ « 3 » ، المعاصر للكندي . وفي هذا المجال ، يكفي أن نقرأ نص رسالة جوابيّة أرسلها الكندي لشخص كان قد راسله ، عصى عليه فهم وصف بطلميوس لإحدى الآلات ، في الكتاب الخامس من " المجسطي " « 4 » . هذا النص ذو الأهميّة البالغة يخبرنا ، بلغة العصر ، ما كانت عليه الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة ويُذَكِّرنا بالأسلوبين الأساسيّين اللذين أتينا على ذكرهما . فعلاوة على الصعوبة الناتجة عن المفردات ، تسود الصعوبة في المبنى اللغوي . هاتان الصعوبتان ميّزتا لغة العلم المختصّة ( وهي في مثلنا هنا ، لغة علم الفلك ) . وهناك في الواقع ثلاثة أساليب للترجمة : الترجمة الحرفيّة ( كلمة لكلمة ) التي يُجازف فيها المترجِم بفقدان المعنى ؛ وترجمة المترجمين - العلماء الذين يهمّهم بالدرجة الأولى معاني المفاهيم ؛ ومن بين هؤلاء ، يستطيع فقط المتمكِّنون من اللغة اليونانيّة والحذاقة بها ( كما يقول الكِندي ) التخلّص من الأخطاء وتقديم ترجمة دقيقة . أمّا الكِندي فقد عبّر عن تفضيله الترجمة كلمة لكلمة ، نظراً لتعذّر وجود الترجمة الممتازة من النوع الثاني ، التي اتصفت بها أعمال حنين وإسحق وآخرين .
--> ( 1 ) ر . راشد ، LOptique et la Catoptrique dal - Kind گ : " علم المناظر وعلم انعكاس الضوء ( أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكِندي ) " ، سابق الذِكر . ( 2 ) نأخذ مثلًا واحداً لإيضاح هذا الموقف ؛ يكتب أنتيميوس : ( راجع الكتاب سابق الذِكر : R . Rashed : Les Catoptriciens grecs ، ص . 350 ، 10 - 15 ) . نقرأ نقل هذه الجملة في الترجمة الأولى كما يلي : " وليُفعَل علامة ح واسطةً بين الشعاع الشتوي وشعاع الاستواء ، كأنّها قاطعة وسط زاوية ه - ب ج . وليُخرَج خطّ ح ز إلى علامة ط " ( المرجع نفسه ، ص 287 ، 7 - 9 ) . نقل المترجِم الكلمة اليونانيّة يلهگَفلق إلى العربيّة بكلمة " فعل " ؛ وهي ترجمة أقل ما يُقال فيها أنّها غير موفَّقة . وفي حالة كونه أراد أن يتجنّب صيغة من صِيغ فِعلِ " وَهَمَ " ( أو تخيّل أو تصوّر ) ، ( وهي حالة غير محتملة على كلّ حال ) ، كان بإمكانه أن يستقر اختياره على " جَعَلَ " أو " كان " . لنذكر من جهة أخرى استخدامه لكلمة " علامة " ، للتعبير عن الكلمة اليونانيّة يهْلي . وهذا الاستخدام أصبح ، نادراً أكثر فأكثر حتى لو بقينا نصادفه خلال القرن التاسع . لنقرأ نقل هذه الجملة نفسها في الترجمة الثانية : " ولتكن نقطة ح في الوسط فيما بين خطّي ب ه - ، ب ج - على نصف زاوية ه - ب ج - ونُخرِج ح ز إلى نقطة ط " . فنلاحظ أنّ الألفاظ ، والمبنى اللغوي في الترجمة الثانية أفضل تلاؤماً مع العربيّة ومع لغة علم المناظر الهندسي . ولنتابع قليلًا هذا المثل حيث يمضي النص اليوناني كما يلي : والذي نقله المترجِم القديم بالعبارات التالية : " فمتى ما نحن توهمنا مرآة ذات سطح مستوٍ في موضع خط ح ز المستقيم موقعاً للشعاع الذي دلائله ب زه - على مرآة ز ح ط ، أزعم أنّه يُعطف راجعاً إلى موضع أ " . لنلاحظ أنّ العبارة " فمتى ما نحنُ توهمنا " تتضمّن ترداداً وأنّها صيغة ذات منحىً لغويّ غيرعربيّ ؛ وكان من الأفضل أن يُكتب " فمتى توهمنا " . وكذلك ، كان من الأنسب استخدام أداة الجر " على " بدل " في " . أمّا باقي المقطع فليس بأفضل حال ؛ فكان ينبغي ، بعد كلمة " المستقيم " كتابة : " وكانت مرآة زح ط موقعاً لشعاع دلائله ب زه - ؛ فأقول إنّه ينعكس إلى موضع أ " . نلاحظ إذن ، أنّ للترجمة الحَرْفيّة هنا مفعولًا سلبيّاً . من جهة أخرى ، عبارة " دلائله ب زه - " تعبير قديم ، أهمله المترجِمون اللاحقون . نشير أيضاً إلى أنّ عبارة " عطف راجعاً " ، للتعبير عن " انعكس " بدأت بالزوال في القرن التاسع . وأخيراً نشير إلى أنّ استخدام " أزعم " بدل " أقول " للتعبير عن كلمة كفمو اليونانيّة ، لا يَظهر في ترجمات منتصف القرن التاسع . أمّا الترجمة الثانية للجملة الثانية ، فأتت كما يلي : " فإن توهمنا سطحاً مرائياً موضوعاً على موضع خط ح ز ط ، فإنّه يكون شعاع ب زه - ، إذا وقع على مرآة ح ز ط ، يرجع إلى نقطة أ " . هذه الترجمة ، الأقلّ حرفيّة ، وإن لم تعبّر حرفيّاً عن النص اليوناني ( إذا افترضنا أنّ المقصود هو النص نفسه ، وهذا ليس أكيداً بشكل قاطع ) ، فإنّها تعطي المعنى بلغة عربيّة صحيحة ، إن من ناحية المفردات أو من ناحية المبنى اللغوي . ( 3 ) " كتاب الحيوان " ، تحقيق عبد السلام هارون ، المجلّد الأوّل ، ص 75 وما يليها . أنظر : أبو حيّان التوحيدي ، " كتاب الإمتاع والمؤآنسة " ، تحقيق أ . أمين وأ . الزين ( إعادة بولاق ، بدون تاريخ . ) ، ص 112 ، 115 - 116 ، 121 . أنظر كذلك محسن مَهدي ، " Langage and Logic in Classical Islam " , in G . E . van Grunbaum , Logic in Etnical Islamic Culture ( Wiesbaden , 1970 ) , pp . 51 - 53 . ( 4 ) الكندي ، " رسالة في ذات الحلق " ، مخطوطة باريس ، المكتبة الوطنيّة ، n 2544 ، الورقات 56 - 60 . Al - Kind گ , Ris و la f گ dh و t al - halaq , ms . Paris , Bibliotheque nationale , n 2544 , fol . 56 - 60 .