نخبة من الأكاديميين
535
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ما أوردناه من أفكار يؤدّي إلى دلالة تاريخيّة واضحة وإن لم يشر إليها الكندي ، الذي كان على اتصال دائم مع هذين النمطَين من الترجمة . فالواقع ، أنّ النمط الأوّل من الترجمة كان يستجيب لحاجات بحث كان لم يزل في بداياته ، أمّا النمط الثاني فقد ارتبط عموماً ببحث متقدّم . ويمكن اعتبار الكندي ومعاصره ابن لوقا مَثلَيْن صالحَيْن في هذا المجال ، فيما يخصّ علم انعكاس الضوء . فالكندي ، الذي كان بحوزته أوّل صيغة عربيّة من مؤلَّف " المفارقات الميكانيكيّة " ، كتب رسالةً كاملةً عن المرايا المحرقة « 1 » . في هذه الرسالة ، لا نجد نقداً لمكامن الضعف العديدة في نص أنتيميوس فحسب ، بل نجد أيضاً مجموعةً كبيرةً من النتائج الجديدة . وقام ابن لوقا هو أيضاً ، ببحث في علم انعكاس الضوء « 2 » ووضع مؤلّفاً في المرايا المحرقة . وتدلّ الدراسة الدقيقة للمفردات والتعابير المستخدمة في هذه النصوص ، أنّ نقل معظم المؤلّفات اليونانيّة حول المرايا المحرقة إلى العربيّة ، تمّ في تلك الحقبة . إنّ التقدّم الذي حقّقه الكندي وآخرون من بعده ، في البحث ، سيؤدّي إلى نتيجة فيها شيء من المفارقة ؛ فمن جهة أولى يحث هذا التقدّم على القيام بترجمة أفضل لمؤلّف " المفارقات الميكانيكيّة " ، يستخدمها خلفاء الكندي ، مثل ابن عيسى ( وهو مؤلِّف من المرتبة الثانية ) « 3 » ؛ ومن جهة أخرى ، يدفع باتّجاه تقليص دور النصوص اليونانيّة المترجَمة ، لحصر هذا الدور في قيمتها التاريخيّة فقط . فإذا كان الاهتمام بهذه النصوص في بداية القرن العاشر قد استمرّ عند البعض مثل عطارد وابن عيسى ، إلّا أنّها لم يبقَ منها في نهاية القرن ، عند ابن سهل ومعاصريه وخلفائه ، سوى ذكرى ، باهتةٍ في أغلب الأحيان . ولكنّ المرايا المحرقة لم تكن إلّا فصلًا من علم المناظر الهللينيستي . فهذا العلم ضمّ أيضاً علم المناظر بالمعنى الحقيقي للكلمة ، أي : الدراسة الهندسيّة للرؤية وللانخداعات البصريّة ؛ وعلم انعكاس الضوء ، أي الدراسة الهندسيّة لانعكاس الأشعّة البصريّة على المرايا ؛ وعلم المناظر التابع للرصد الجوي حيث تُدرس الظاهرات المناخيّة مثل ظاهرتيّ الهالة الشعاعيّة وقوس قزح ، . . . تلك هي الفصول التي ذكّر بها الفارابي في مؤلّفه " إحصاء العلوم " . وإلى هذه الفصول الهندسيّة ، يجب إضافة المعتقدات المتعلّقة بالرؤية التي وجّهت أعمال الأطباء ومؤلّفات الفلاسفة . وقد جرى نقل الإرث الإغريقي ، في كلّ هذه الميادين وفق نموذج المرايا المحرقة الذي أتينا على تحليله . ليس بإمكان الأبحاث التاريخيّة ، إلى الآن ، أن تجعلنا قادرين على تحديد المفاهيم البصريّة التي انتقلت قبل نهاية القرن الثامن عِبر الممارسة الطبيّة . ولكنّنا نشهد في حدود تلك الفترة وخلال النصف الأوّل من القرن التاسع ، بحثاً في طب العيون عند أطباء مثل جبرائيل بن بختيشوع ( المتوفّى في 828 - 829 م ) ويوحنّا بن ماسويه من بعده « 4 » . فالاهتمام بطب العيون ، كان كبيراً بحيث دفع حنين بن إسحاق لأن يضع ، من أجل المجتمع الطبيّ ، " موجزاً " يعرض فيه محتوى كتابات جالينوس عن علم تشريح العين وعلم وظائفها « 5 » . كما ترجم حنين المؤلّف المنسوب إلى جالينوس " المسائل في العين " « 6 » . فهل كانت ممارسة طب العيون والبحث فيه حافزاً لدراسة علم المناظر وانعكاس الضوء ؟ إنّه لأمرٌ معقولٌ ، رغم أنّه ما زال من المبكر الإجابة على هذا السؤال . على كلّ حال ، شهدت تلك الفترة من الزمن ، ترجمة معظم
--> ( 1 ) ر . راشد : LOptique et la Catoptrique dal - Kind گ : " علم المناظر وعلم انعكاس الضوء ( أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكِندي ) " ، سابق الذِكر . ( 2 ) المرجع نفسه ، أنظر الملحق الثاني ( Appendice II ) . ( 3 ) المرجع نفسه ، الملحق الثالث ( Appendice III ) ، ص 647 - 701 . ( 4 ) النديم : " الفهرست " ، ص 345 - 355 . ( 5 ) أنظر كتابيه " دَغْل العين " و " في معرفة مهنة الكحّالين " ؛ راجع م . مييرهوف وك . بروفر ، M . Meyerhof et C . Pr fer : " Die Augenheilkunde des Juhana ben Masawaih " , Der Islam , 6 ( 1915 ) , p . 217 - 256 , وراجع بشكل خاصّ : M . Meyerhof : The Book of the Ten Treatises on the Eye ascribed to Hunain ibn Ishaq ( 809 - 877 AD ) , ( Cairo , Imprimerie Nationale , 1928 ) , pp . 11 - 12 . ( 6 ) م . مييرهوف ، M . Meyerhof : The Book of the Ten Treatises on the Eye ascribed to Hunain ibn Ishaq , p . 18 sqq . ; ب . سباث وم . مييرهوف ، P . Sbath et M . Meyerhof : Livre des questions sur l خ il de Hona n ibn Ish ع q , in Memoires presentes a lInstitut dEgypte ( Le Caire 1938 ) , t . 36 .