نخبة من الأكاديميين
528
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تتناسب مع حجم العالم الجديد ( وهذا التكوين أتى ، في أحد جوانبه على الأقلّ ، نتيجة لتعريب الدولة والثقافة الذي كان قد بدأ قبل أكثر من قرن ونصف واستمرّ يتواصل بعد ذلك ) ، وأخيراً الاستجابة لحاجات البحث . وقد تعود إلى هذه المرحلة الوسيطة ، عدّة ترجمات قديمة ، بقيت مجهولة حتى عهد قريب . فنحن نعلم أنّ الكندي كانت لديه ترجمة لكتاب " في قياس الدائرة " لأرخميدس ، تختلف عن تلك التي حصلت لاحقاً ، انطلاقاً من مخطوط يوناني « 1 » . ولقد كان الكندي نفسه على علم بترجمة لكتاب " المناظر " لأقليدس ، تختلف عن الترجمة التي وصلتنا ، وحصلت على الأرجح قبلها . ومنذ فترة وجيزة ، عثرنا على ترجمة قديمة لبداية مؤلَّف " المفارقات الميكانيكيّة " « 2 » لأنتيميوس التراللي « 3 » ، سابقة لتلك المرحلة . إنّ تنوّع النصوص المترجَمة هو من الأمور التي تظهر للعيان بشكل صارخ : من علم " المناظر " لأقليدس ، إلى " قياس الدائرة " لأرخميدس ، إلى نصوص لأنتيميوس التراللي . وإلى تلك المؤلّفات ، يمكن إضافة مؤلّفات أخرى ، هي ( بحسب ما يتوفّر لدينا من معلومات حاليّاً ) نصوص قصيرة نسبيّاً ، إلّا أنّها مرتبطة بالبحث ، كما سنرى لاحقاً . أمّا فيما يخص نوعيّة هذه الترجمات وشكلها ، فقد كانت ترجمات حرفيّة ، وقد لجأت إلى مصطلحات ، سيتمّ تعديلها بعمق في المرحلة الثانية من مراحل الترجمة كما سنرى لاحقاً . ب . الترجمة مؤسّسةً ومهنة : عصر الأكاديميّات ( الترجمة في مرحلتها الثانية ) . تسارعت حركة النقل هذه لتدخل في مرحلة ثانية ، حيث أصبحت الترجمة " مؤسّسة " و " مهنة " في آن واحد . هذه المرحلة طبعها حلم المأمون ، ولكنّه أيضاً استمدَّ منها كل معانيه . وقد بقيت المرحلة الأولى من حركة الترجمة ، حتى في أوجها في بداية حكم العباسيين ، متميّزة عن المرحلة التي تلتها ، إن من حيث عدد الترجمات ، أو من حيث تنوّع الكتابات المترجَمة ، أو من حيث تقنيّة المترجمين وتخصّصهم المتصاعد . تحوّلت الترجمة في مرحلتها الثانية إلى مهنة علميّة كما إلى مؤسّسة . هذا التحوّل 1 لذي ابتدأ في عهد المأمون واستمرّ في تصاعد مع خلفائه ، يعود إلى عدّة أسباب ؛ أحدها ، وهو سبب يغيب عن نظر الكثيرين ، هو التحوّل في المجموعة الإجماليّة للمعارف . فبين منتصف القرن الثامن ومنتصف القرن التاسع ظهرت عدّة علوم ترتبط مباشرة بالمجتمع الجديد ، بعقيدته وبتنظيمه ؛ ظهرت مثلًا الحقولُ العديدة من البحث التي أثارتها الحاجة إلى فهم النصوص الدينيّة وتفسيرها . فهكذا انطلق طيفٌ كامل من العلوم اللغويّة بدءاً من أنطروبولوجيا اللغات ، إلى علم بناء المعاجم المبنيّ على بحث حقيقيّ في علم الأصوات باستخدام تفكير توافيقيّ « 4 » ( الخليل بن أحمد ) ، ومروراً بعلم النحو وعلم اللغة « 5 » . ولا يجب أيضاً أن ننسى تطوّر علم " ال - كلام " ، هذا العلم الفلسفي - الفقهي ، بمدارسه المتعدّدة وتفرعاتها « 6 » . ويمكننا كذلك أن نذكر قطاعات التاريخ المختلفة ، وولادة طرائق التحليل النقدي للشهادات التاريخيّة ؛ كما نذكر تطوّر الدراسات المتعلّقة بتفسير النصوص المقدّسة ، والقرآنيّة بشكل خاصّ ، ومختلف العلوم المنطقيّة - الشرعيّة الضروريّة للبحث في علم الحقوق الإسلاميّة ، إلخ . نذكر أيضاً
--> ( 1 ) ر . راشد ، R . Rashed : " Al - Kind گ s commentary on Archimedes The Measurement of the Circle , Arabic Sciences and Philosophy " , vol . 3 ( 1993 ) , pp . 7 - 53 . ( 2 ) Paradoxes mecaniques ( المترجِم ) . ( 3 ) ر . راشد ، R . Rashed : Les Catoptriciens grecs . I : Les miroirs ardents , edition , traduction et commentaire , Collection des Universites de France , publiee sous le patronage de lAssociation Guillaume Bude ( Paris , Les Belles Lettres , 2000 ) , pp . 343 - 359 . ( 4 ) نسبة إلى علم " التوافيق " الرياضي ، الحسابي ( المترجِم ) . ( 5 ) ر . راشد ، R . Rashed : Entre Arithmetique et Algebre . Recherches sur lHistoire des Mathematiques Arabes ( Paris , Les Belles Lettres , 1984 ) , pp . 253 - 257 . نُقِل هذا الكتاب إلى العربيّة تحت عنوان " تاريخ الرياضيات العربية - بين الجبر والحساب " ، تأليف رشدي راشد ، ترجمة د . حسين زين الدين - مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت 1989 . ( 6 ) ر . م . فرانك ، R . M . Frank : " The Science of Kal ع m " , Arabic Sciences and Philosophy , 2 . 1 ( 1992 ) , pp . 7 - 37 ; ج . فان إس ، J . van Ess : Fr he Mu tazilitische Haresiographie , Wiesbaden , F . Steiner , ( 1971 ) . في سبيل ملخّص عن أقصى تفرّع للتيّارات ، أنظر شهرستاني ، " كتاب المِلل والنِحَل " Shahrastani : Livre des religions et des sectes ، Traduction avec introduction et notes par D . Gimaret et G . Monnot ، Peeters / Unesco ، 1986 .