نخبة من الأكاديميين

529

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

علم الجبر نفسه ، وعلوماً أخرى وُلدت من الممارسة ومن متطلّبات إدارة السلطة . نرى إذن أنّ موسوعة المعرفة ، أي مجموعة معارف تلك الحقبة ، أضحت بعيدة كلّ البعد عن موسوعة العصور القديمة المتأخّرة . وسيقدّم الفارابي لاحقاً ، في " إحصاء العلوم " « 1 » لوحة إجماليّة عن محتوى هذه الموسوعة الجديدة . غير أنّ هذه الموسوعة الجديدة ، وإن عكست العلوم وتنوّعها ، وعكست بالتالي ثقافة العصر ، إلّا أنّها تدلّ أيضاً على مسيرة نتبيّنها من خلال قراءة كتب " الطبقات " ( طبقات العلماء ) ومؤلّفات أصحاب الطبقات القدامى : إنّها مسيرة الاختصاص المتزايد . فلم يعد يكفي القول بأنّ هذا العالِم أو ذاك ينتمي أساساً إلى مهنة أو أحياناً إلى اثنتين ، مترابطتين ( مثل كونه " متكلّماً " ، أي فيلسوفاً - فقيهاً ، وقانونيّاً ) ؛ بل كان يجب ، داخل المهنة عينها ، تحديد المدرسة التي ينتمي إليها : الكوفة أوالبصرة مثلًا لعالِم النَحو ، أو البصرة وبغداد للفقيه - الفيلسوف « 2 » . كلّ هذه العلوم الجديدة إضافة إلى المختصّين بها ، الذين كان عددهم يتزايد باستمرار ، وَلَّدت طلبات لنتاجها وكوّنت جمهوراً مهتمّاً بهذا النتاج . فكانت متطلّبات الفقيه - الفيلسوف المعرفيّة في الفلسفة والمنطق ، وحتّى في علم السكون « 3 » وفي الفيزياء « 4 » ، تتزايد ، كمّاً ونوعاً . أمّا المتطلّبات ذات الطابع الديني ، كتحديد اتجاه مكّة المكرّمة ( القِبلة ) وتحديد ساعات الصلاة في إمبراطوريّة بهذا الاتساع ، فقد دعت إلى معارف جديدة في علم الفلك . كما أنّ تقدّم العلوم الطبيّة أصبح ضروريّاً لتلبية حاجات المراكز المُدُنيّة في مجال العناية الصحّية . واستدعت وظائف " الديوان " والكُتّاب الخاصّين ( وهي وظيفة أصبحت مهنة حقيقيّة « 5 » ، ثقافة عامّة واسعة . وباختصار ، شكّل هؤلاء الناس ، العاملون في كلّ هذه المجالات ، جمهوراً عريضاً لعلوم ولثقافة كانت تتوجّب ترجمتها من اليونانيّة والفارسيّة بشكل خاصّ . لذا نجد بين الكتب المترجَمة ، عدداً من المؤلّفات ذات التوجّه الثقافي التي تتناول مواضيع مثل حِكَم الفلاسفة الأخلاقيّة « 6 » أو تفسير الأحلام « 7 » . لم تلبث هذه المرحلة الثانية من حركة الترجمة أن شهدت ، تحوّل الترجمة إلى مؤسّسة ، وتحوّل الإرث الإغريقي في الوقت نفسه إلى مؤسّسة . وهناك فيض من الوقائع والطرائف ، التي تخبرنا أنّ خلفاء ووزراء وأمراء وميسورين ، وحتى بعض العلماء ، قد انشأوا المكتبات والمراصد وشجّعوا الترجمة والبحث « 8 » . ولكنّ هذه الروايات لم تلحظ بما فيه الكفاية ، أنّ هذه المؤسّسات الجديدة لم تضمّ أفراداً فحسب كما في السابق ، إنّما أيضاً مجموعات ، وفرقاً غالباً ما كانت تتنافس وتتخاصم « 9 » . كلّ ذلك شكّل وسائل ، لدمج الإرث الإغريقي في المدينة العلميّة الجديدة . على سبيل المثال ، ضمّ " بيت الحكمة " الذي أسّسه المأمون في بغداد علماء فلك مثل يحيى بن أبي منصور ، ومترجمين مثل الحجّاج بن مطر مترجِم " الأصول " لأقليدس و " المجسطي " لبطلميوس " - وعلماء رياضيّات ، منهم الخوارزمي ؛ ولاحقاً ضمّت مجموعة أخرى مرتبطة بهذا البيت ، الأخوة الثلاثة بني موسى ( وهم علماء رياضيّات وفلك ، من الذين موّلوا الترجمة وشجّعوها ) ، وهلال بن هلال الحمصي مترجِم أبولونيوس ، وثابت بن قرّة المترجِم وعالم الرياضيّات . ومن المعروف أيضاً أنّ

--> ( 1 ) الفارابي : " إحصاء العلوم " ، تحقيق عثمان أمين ، الطبعة الثالثة ( القاهرة ، 1968 ) . ( 2 ) منذ البدايات ، كان يُنظَر إلى هذه الاختلافات على أنّها جوهريّة . أنظر ، في هذين الحقلين المذكورين ، " الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين " لأبي سعيد الأنباري ( بيروت ، 1987 ) و " المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين " أبي رشيد النيسابوري ، تحقيق م . زيادة ور . السيّد ، بيروت ، 1979 . ( 3 ) أو علم التوازن ( الستاتيكا ) ( المترجِم ) . ( 4 ) ذَكّر هنا بأبي الهُذَيل وإلى ابن أخته النظّام . أنظر : م . أ . أبو ريدا : " إبراهيم ب . سيّار النظّام وآراؤه الكلاميّة الفلسفيّة " ( القاهرة ، 1946 ) ؛ أنظر أيضاً : A . Dhanani : The Physical Theory of Kal ع m . Atoms , Space and Void in Basrian Mu tazili Cosmology ( Leiden . E . J . Brill , 1994 ) . ( 5 ) أنظر مثلًا ابن قُتيبة : " أدب الكاتب " ، تحقيق أ . فاعور ( بيروت ، 1988 ) ؛ الجهشيّائي : " كتاب الوزراء والكتّاب " بيروت ، ( بدون تاريخ ) . ( 6 ) على سبيل المثال ، ترجمة حنين بن إسحاق ل - " وصيّة أفلاطون في تأديب الأحداث " ، تحقيق لويس شيخو ، ( رسائل فلسفيّة قديمة ) ( بيروت ، 1911 ) . ( 7 ) على سبيل المثال ، ترجمة حنين بن إسحاق لمؤلَّف أرتيميدور الأفسسي " كتاب الأحلام " ؛ أنظر التحقيق النقدي لتوفبق فهد ( دمشق ، 1964 ) . ( 8 ) م . ج . بالتي - غِزدون M . G . Balty - Guesdon : " Le Bayt al - Hikma de Bagdad " Arabica , 39 ( 1992 ) , pp . 131 - 150 ويوسف العشّ : " دُور الكتب العربيّة العامّة وشبه العامّة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط " ( دمشق ، 1967 ) . ( 9 ) على سبيل المثال ، يذكر قدماء قدماء مؤلّفي كتب الطبقات خلافات بين الكندي ومساعديه ، وبين بني موسى ، وفريقهم .