نخبة من الأكاديميين
527
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المنجّمين - الفلكيين ، المصحوبين بغيرهم من الهندسيين ، قد قامت بكلّ الكشوفات الضروريّة لتأسيس بغداد ، إضافة إلى قيامها بحساب الطالع النجمي . في خضمّ ورشة البناء الكبيرة هذه ، وُلِدت وبدأت تظهر ، حاجات جديدة تحث على المباشرة ببحث علمي . من هذه الحاجات تأليف " الأزياج " ، والتمثيل الصحيح للكرة على سطحٍ مستوٍ ، إلخ . إنّ فقدان النصوص يحرمنا من المصادر التي قد تسمح بتقييم هذا البحث المبتدىء ، إلّا أنّ بعض الآثار الباقية تنبّهنا إلى وجود هذا المناخ الجديد . فبحسب إحدى الروايات ، استقبل المنصور بعثة هنديّة تضمّ أحد علماء الفلك ، بحضور الفزاري ، الذي تلقّى من ذلك العالِم " زيجاً " هنديّاً . وأخذ الفزاري على عاتقه ، مع يعقوب بن طارق ، عمليّة تكييف هذا " الزيج " ونقله باللغة العربيّة . وربّما كانت هذه القصّة غير مؤكّدة ، إلّا أنّها ، في كلّ حال تقدّم وصفاً للفكرة التي كانت سائدة عن تلك الحقبة « 1 » . وهناك شهادة أخرى متأخّرة كذلك تعود إلى 330 ه - . / 941 م - نقلها المؤرّخ المسعودي ، عن شخص يُدعى الأخباري ، تشير هي الأخرى ، إلى الاهتمام الذي أبداه المنصور بالتنجيم ، كما تُشير إلى وجود كلٍّ من أبي سهل بن نوبخت والفزاري ( وعلي بن عيسى الأسطرلابي ، وهذا الأخير أصغر سنّاً منهما بكثير ) حوله . فيذكر المسعودي أنّ المنصور " هو أوّل خليفة تُرجمت له الكتب من اللغات العجميّة إلى العربيّة " « 2 » . وهنا يُحصي الأخباري عناوين بعض المؤلّفات المترجَمة ، ومنها " المجسطي " و " الأصول " و " المدخل إلى عِلم العَدد " لنيقوماخوس الجرشي . ويكتب ، من ثمّ ، أنّه " تُرجمت له سائر الكتب القديمة انطلاقاً من اليونانيّة والروميّة والفهلويّة والفارسيّة والسريانيّة وأُخرِجَت للناس فنظروا فيها وتعلّقوا إلى عِلمها " « 3 » . مهما تكن القيمة التاريخيّة التي يمكن نَسْبُها إلى هذه الشهادة المتأخرة ، فإنّها تعكس رأي الذين عاشوا بعد عهد المنصور . لقد حصلت عمليّات ترجمة ، بمبادرة من هذا الخليفة ؛ لكن ، وفي الجانب الخلفيّ ، جرى بحث علميّ تطلّب ترجمة بعض المؤلّفات ؛ كما أنّ التعريب المتسارع استدعى إنشاء مكتبة جديدة تتناسب مع حجم الامبراطوريّة الجديدة الممتدّة من الهند إلى الأطلسي . أمّا فيما يخص الكتب التي ذكرها الأخباري ، فنتساءل عن إمكانيّة وجود سبيل إلى الجزم بشأن ترجمتها . فلا شيىء ينفي في الواقع صحّة المعلومات المتعلّقة ب - " المجسطي " ؛ هذه المعلومات يؤكّدها مقطع للنديم ، يذكر أنّ خالد بن برمك ، وزير المنصور ، أمر بترجمة أولى لهذا المؤلَّف ، تبيّن أنّها غير كافية ، فصُحِّحت فيما بعد ، بناءً على طلب الوزير « 4 » . فلربّما تكون هذه الترجمة هي المقصودة في حديث الأخباري . أمّا " المدخل إلى عِلم العَدد " لنيقوماخوس ، فقد تُرجم مرّة أولى ، من السريانيّة ، بواسطة حبيب بن بِهريز . لكن هذا الأخير " فسّر للمأمون عدّة كتب " « 5 » ، أي بعد ذلك بأربعة عقود ، وهذا أمر ممكن لكنّه بعيد الاحتمال . وفيما يخصّ " أصول " أقليدس ، فإنّ ما ذكره ألأخباريّ يفترض ترجمة سابقة لترجمة الحجّاج الأولى ؛ ولكن لا وجود لأيّة معلومات أخرى تؤكّد حصول مثل هذه الترجمة ؛ فهذه المسألة تبقى إذاً مفتوحة . الأمور التي دعت إلى الترجمة ، في نهاية مرحلتها الأولى وبداية المرحلة الثانية ، هي إذن التالية : تدخّل السلطة السياسيّة ودعوتها إلى الترجمة من اليونانيّة واللغات الأخرى ، وتكوين مكتبة بالعربيّة
--> ( 1 ) للاطّلاع على حالة مشابهة لهذه الصلات العلميّة ، أنظر الجاحظ : " كتاب البيان والتبيان " ، تحقيق أ . م . هارون ، 4 مجلّدات ، المجلّد الأوّل ، القاهرة ( s . , d . ) ، المجلّد الأوّل ، ص . 88 - 93 . ترجمة فرنسيّة للمقطع : M . Aouad - M . Rashed , " Lexegese de la Rhethorique dAristote : Recherches sur quelques commentateurs grecs , arabes et byzantins " , Medioevo 23 ( 1997 ) , pp . 43 - 189 , pp . 89 - 91 . ( 2 ) المسعودي : " مروج الذهب " ، طبعة بيروت ( 1991 ) ، المجلّد الرابع ، ص . 333 . ( 3 ) المرجع نفسه . ( 4 ) النديم : " الفهرست " ، ص . 327 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص . 304 .