نخبة من الأكاديميين
526
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الدلالة على أنّ المؤرّخين القدماء ، عزوا إلى هذه الفترة اهتماماً بالترجمة ، ونسبوا دوراً خاصّاً إلى خالد بن يزيد . وهناك شهادة أخرى ، أوردها النديم نفسه ، تأتي لتعزّز الأولى ، إذ يقول إنّه في تلك الحقبة نفسها ، في ظلِّ حكم الخليفة هشام بن عبد الملك ، تمّت ترجمة " الديوان " من اليونانيّة إلى العربيّة . وفي تلك الحقبة كذلك ، خلال فترة حكم والد هذا الأخير ، وبناءً على نصيحة خالد بن يزيد نفسه ، بوشِر بصكِّ العملة بالعربيّة لا باليونانية ، كما كانت الحال سابقاً ، حسب ما رواه ابن الأثير والنويري « 1 » . وتؤكّد شهادة أخرى ، من النوع ذاته ، أنّ ماسرجويه ، وفي نهاية القرن عينه ( السابع ) ، نقل إلى العربيّة " كتاباً جامعاً " في الطب لأهرون « 2 » . هذه النتف من الشهادات التي بقيت إلى عصرنا ، تدلّ على أنّ الفترة التي شهدت حركة تعريب " الدواوين " بشكل خاص ، أي تعريب الإدارة ونصوصها ، شهدت أيضاً بعض الترجمات ، بفضل المبادرة الفرديّة وتلبيةً لحاجات عمليّة آنيّة . وهناك نتف شهادات أخرى مماثلة ، غير محدّدة التاريخ بشكل دقيق ، تعود على الأرجح إلى ما بين هذه الفترة وبدايات الحكم اللاحق ( العباسي ) ، تشير إلى وجود ترجمات إلى العربيّة ، وبخاصّة في علم الفلك ؛ نذكر من هذه الترجمات ، على سبيل المثال ، ترجمة " مقدّمة " ثيون الإسكندري لكتاب " المجسطي " ، وهي الترجمة التي وصفها النديم بأنّها " نقل قديم " . التعريب الذي كان قد حقّق تقدّماً كبيراً في العهد الأموي ، واصل تقدّمه مع بداية حكم العباسيين . وقد أتت سياسة تنفيذ المشاريع الضخمة المتعلِّقة بانتقال مركز السلطة « 3 » وبالتخطيط المُدُني المتنامي ، لتوسّع أعمال الترجمة وتُسرِّعها . وقد ارتبط بهذه الحركة النشطة ، اسم الخليفة العباسيّ الثاني ، المنصور ( 754 - 775 م ) . يتّفق المؤرّخون القدامى « 4 » على لحظ الاهتمام الذي كان المنصور شخصيّاً يوليه للتنجيم . فهو ، عندما قرّر تأسيس العاصمة الجديدة ، بغداد ، استعان بالمنجّمين ليقوموا بحساب الطالع النَجمي وتحديد الوقت الأكثر ملاءمة لبدء الأعمال . وفي هذا السياق برزت أسماء كلٍّ من أبي سهل بن نوبخت وإبراهيم الفزاري وماشاءالله . واستحضر هذا الخليفة أيضاً من مختلف الأقاليم ، عمّالًا وحرفيين وفقهاء وهندسيين « 5 » ، فاجتمعت منهم الفرق والجماعات التي يقتضيها إنجاز هذا المشروع الضخم . هذه المعلومات تستدعي التوقّف قليلًا عندها . فلم يكن أبو سهل بن نوبخت منجّماً فحسب ، إنّما كان أيضاً " متكلّماً " ، أي فقيهاً - فيلسوفاً . وفي نصٍّ بخط يده ، أورده النديم ، يقدّم أبو سهل بن نوبخت ، نوعاً من تاريخ أسطوريّ للعلوم ، إذ يردّ أصل العلوم ، معرفيّاً وتاريخيّاً ، إلى التنجيم البابلي - الفارسي « 6 » ؛ فهل هدف هذا المعتقد إلى تبرير الممارسة التنجيميّة التي قيلَ أنّ الخليفة شخصيّاً كان يؤمن بها ؟ لكن هذه الممارسة نفسها كانت بحاجة إلى معرفة فلكيّة حقيقيّة ، ولا سيما فيما يتعلّق بتأليف " الأزياج " . أمّا الفزاري ( النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد ) ، فلم يكن مجرّد فلكي ، بل كان أيضاً عالم رياضيّات . فلقد قام بتأليف " زيج " وبكتابته ، وكتبَ أيضاً في الأدوات الفلكيّة ( الاسطرلابات والمزاول ) ، ممّا كان يتطلّب معرفة عميقة بالاسقاطات المخروطِيّة . يبدو من الممكن إذن أن تكون هذه المجموعة من
--> ( 1 ) النويري : " نهاية العرب في فنون الأدب " ، تحقيق م . الحيني ( القاهرة ، 1984 ) ، ص . 223 - 224 ؛ ابن الأثير ، " الكامل في التاريخ " ، تحقيق ك . ج . تورنبرغ ( C . J . Tornberg ) تحت عنوان Ibn - El - Athiri Chronicon quod perfectissimum inscribitur ، اثنا عشرة مجلّداً ( لايدن Leiden ، 1851 - 71 ) ؛ أعيد طبعها في ثلاثة عشر مجلّداً ( بيروت ، 1965 - 67 ) . ( 2 ) النديم : " الفهرست " ، ص . 355 . ( 3 ) إلى بغداد ( المترجِم ) . ( 4 ) المسعودي : " مروج الذهب " ، طبعة بيروت ( 1991 ) ، المجلّد الرابع ، ص . 333 . ( 5 ) نقرأ في النويري ، " نهاية الأرب في فنون الأدب " ، المجلّد 22 ، ص . 90 : " " كتب ( أي المنصور ) إلى سائر البلاد في إنفاذ الصناع والفعلة ، وأمر أن يُختار له من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة . . . " " . ( 6 ) النديم : " الفهرست " ، ص . 299 - 300 .