نخبة من الأكاديميين

501

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

إنه سر الصراع . ولكن الذي يجب التركيز عليه هو أن الرغبة في التفوق عامل طبيعي يعمل على تطوير الحياة الإنسانية في كل المجالات ، إذا اتخذ منحى إيجابياً تنافسياً . كما يؤدي كغيره من العوامل الطبيعية إلى الخراب والدمار والظلم ، إذا اكتسب الصفة السلبية ، واعتمد عامل الحذف بالقوة والهيمنة ومحو الآخرين ، كما وهي الحال اليوم في العولمة والتعامل الغربي بقضايا المسلمين . إن الصحوة الإسلامية ، إذْ تدعو إلى " التفوق الإسلامي " من خلال اعتبار الإسلام النظام الأصلح للبشرية قاطبة ، فإنها في المقابل لا تدعو إلى نجس الآخرين ما في إيجابيات أنظمتهم . إننا نتصور أن العوامل الحقيقية لنشوء الصحوة الإسلامية ( لا العوامل الجانبية ) ، في ضوء دراساتنا للساحة الإسلامية ، هي : اولًا : طاقات الإسلام الذاتية التي لا تفتأ تمد المسلمين بدوافع التغيير والنهوض ، وتشدد على حفظ الهوية الحضارية بعد أن منحتها معالمها الشاملة ، بل وتدفع دائما إلى الحفاظ على التفوق أو استعادته إذا فقد . وقد مر بنا القول إن كل أساليب التمييع سوف تبقى آثارها مؤقتة لأن الإسلام بطبيعته يدعو إلى الوحدة ويرفض العلمنة . ثانياً : اشتداد الحملة الأوروبية على العالم الإسلامي فإستباح الغرب كل الثروات ، واستعمر معظم البلاد ، واعتدى على الهوية الثقافية ، بل راح يهاجم المكونات الاعتقادية والأخلاقية ، وينشر الرذائل ، ويمزق النسيج الاجتماعي من خلال عملائه الحقيقيين أو الثقافيين ، وكَلَّلَ ذلك كُله بزرع الكيان الصهيوني الغاصب في قلب العالم الإسلامي . ولا ريب في أن حملة من هذا القبيل سوف تواجه برد فعلٍ قوي من أمة بقي الإسلام فيها حياً ، رغم محاولات القضاء عليه . ولا نريد ان نطيل في الحديث عن هذا العامل لوضوح أبعاده ، فالإحتلال يستتبع المقاومة بشتى ألوانها . ولعل الغرب شعر بهذه الحقيقة حين حاول تنفيس الإحتقان العام ضده والاستعاضة عن ذلك بإعطاء الاستقلال الصوري لبعض البلدان الإسلامية . ولكن هذا العمل بذاته وفر فرصةً لنمو الصحوة الإسلامية بشكل واستعادة الإسلام لحضوره الطبيعي في الستينات ثم اتساعه بشكل مرعب للغرب في السبعينات والثمانينات . ثالثاً : فشل كل الحلول والأطروحات البديلة للمقاومة والتغيير بالإسلام ، لأنها كانت تحمل في داخلها عناصر فشلها . لقد فشلت الأطروحة القومية وذلك رغم نزولها المبكر إلى الساحة وتحقيقها الكثير من الأهداف الغربية ومسحها الكثير من السمات الإسلامية عن بعض البلدان والمجتمعات كما حدث في تركيا وغيرها . ذلك لأن القومية لا تنسجم مع الطبيعة الإسلامية التي تتجاوز القوميات ولم تنجح في الاستجابة لرغبات المسلمين وحاجات مجتمعاتهم . كما فشلت الاشتراكية لأنها اعتمدت على أسس إلحادية رغم تمتعها ببعض الشعارات المنسجمة مع بعض التعاليم الإسلامية كالعدالة الاجتماعية ، والدفاع عن المحرومين ومعاداة الاستعمارى والإجبريالية . وكذلك فشل النموذج التركيبي ( الاشتراكي القومي ) لأنه هو أيضاً تركيب مصطنع لا ينسجم مع الحس الإسلامي ، ولايعبر عن أية إضافة معرفية .