نخبة من الأكاديميين

49

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أن نيران العداوة والكراهية التي يؤججها الآن فريق من الغُلاة والمتطرفين على كلا الجانبين : المسلم والغربي ، لا يجب أن تستمر ؛ وعلى الرغم من أن التاريخ المشترك بين الطرفين امتد منذ القرن الهجري الأول / السابع الميلادي إلى الآن ، فإن أولئك المتطرفين يتجاهلون الكثير من تفاصيل هذا التراث المشترك ؛ فهم ينظرون إلى الغرب باعتباره كتلة واحدة من ناحية ، وعلى الجانب المقابل ينظرون إلى العالم المسلم باعتباره كتلة واحدة صماء بلا تفاصيل ، من ناحية أخرى . هذه النظرة السطحية تتجاهل حقائق تاريخ العلاقات بين المسلمين والغرب ؛ فمن الوجهة التاريخية كانت العلاقات تتسم بالشد والجذب ، وتتراوح بين السلب والإيجاب ، كما كانت تحكمها التفاعلات الهادئة حينًا ، والتوترات العنيفة حينًا آخر . ومن الناحية الجغرافية فإن مسرح هذه العلاقات كان عالم البحر المتوسط حتى أواخر القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي على أقل تقدير . ثم انتقل المسرح الذي جرى عليه التفاعل بين المسلمين والغرب إلى مناطق جغرافية جديدة ، إذ حلت الدولة العثمانية محل دولة سلاطين المماليك في قيادة العالم المسلم ، وبذلك انتقلت حدود التماس إلى شرق أوروبا والبلقان ووسط أوروبا . ولم يكن هذا مجرد انتقال جغرافي ؛ وإنما كان تحولًا نوعياً في شكل العلاقات وعنوانًا على مرحلة جديدة بخصائص جديدة . ومن جهة أخرى ، نقلت التحركات الاستعمارية الأوروبية خطوط التماس بين الجانبين إلى مناطق المحيط الهندي ، وجنوب شرق آسيا ، بعد معرفة الأوروبيين للطريق البحري حول أفريقيا ليصل بين المناطق الشرق آسيوية والموانئ الأوروبية . ثم ازداد تشابك هذه الخيوط بعد أن نجحت القوى الاستعمارية الأوروبية في السيطرة على مناطق كثيرة من أراضي المسلمين . وظل الحال كذلك حتى بروز القوة الأمريكية ، ودورها العالمي ، بعد الحرب العالمية الثانية ؛ وتصاعد هذا الدور بالدرجة التي جعلت خيوط العلاقات الإسلامية / الغربية تتشابك وتتقاطع في كل مكان بالعالم المعاصر بحيث صار العالم كله مسرح التفاعل بين المسلمين والغرب الأوروبي الأمريكي . ويستدعي البحث في البعد التاريخي لهذه العلاقات أن نحاول تقسيمها إلى فترات زمنية أحسب أنها سوف تساعدنا على الفهم والإلمام بالحقائق التاريخية المتوارية خلف ضبابية الهجمات ، والهجمات المضادة على كلا الجانبين . * * * ( 1 ) تأثير حركة الفتوح الإسلامية إذا كانت حركة الفتوح الإسلامية ، التي بدأت في القرن السابع الميلادي ، قد أدت إلى تقسيم عالم البحر المتوسط إلى حضارات ثلاث ؛ البيزنطية ، والإسلامية ، والأوروبية كما أسلفنا القول ، فقد كان اللقاء والتفاعل بين هذه التجمعات الثقافية ، واللغوية ، والاقتصادية الثلاثة يمثل واحدًا من أهم