نخبة من الأكاديميين

48

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

منطقة الحضارة الإسلامية العربية التي ضمت العواصم القديمة في شرق المتوسط وجنوبه ، وعمقها البشري والجغرافي الممتد شرقًا صوب الصين ، ثم منطقة حضارة أوروبا العصور الوسطى الباكرة التي تمركزت حول الكنيسة الكاثوليكية بزعامة البابا في روما . وكانت خطوط التماس بين الحضارتين المسيحيتين والحضارة الإسلامية العربية تتمثل في آسيا الصغرى وأعالي بلاد الشام ، وجنوب إيطاليا وجزر البحر المتوسط ، ثم إسبانيا في الغرب حيث قامت دولة مسلمة استمرت في الوجود حتى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي . والمثير في الأمر أن نقطة التماس الأساسية في الشرق ( الدولة البيزنطية ) ونقطة التماس في الغرب ( الأندلس المسلمة ) سقطتا في النصف الثاني من القرن الخامس عشر ، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي . ولم تكن العداوة بين الطرفين مستمرة في كل الأوقات في جميع الأماكن . فمن وجهة النظر الأوروبية مرَّت العلاقات الإسلامية المسيحية بثلاث مراحل في ما بين القرن السابع والقرن الخامس عشر الميلاديين . وفي أثناء هذه المراحل الثلاث ، تغيرت المواقف الأوروبية من الرفض إلى المحاولات الواعية المتعاطفة لفهم الإسلام والمسلمين . ومن وجة نظر المسلمين مرت العلاقات بأوروبا بثلاث مراحل أيضًا - ولكنها مختلفة بطبيعة الحال : من الغزو ، إلى التجاهل والازدراء ، فالعداوة ، ثم التفاهم والاعتماد . في أثناء حركة الفتوح الإسلامية ( القرنان الأول والثاني للهجرة - السابع والثامن الميلاديين ) اجتاحت جيوش المسلمين مناطق شرق المتوسط ( سوريا وفلسطين ) وجنوبه ( مصر وشمال أفريقيا ) وعبرت المضيق لتستولي على معظم شبه الجزيرة الأيبيرية ، وحولت البحر المتوسط إلى بحيرة إسلامية . وفي ما بعد دخلت صقلية وجنوب إيطاليا تحت الحكم الإسلامي لفترة من الزمان . وبات الوجود الإسلامي محيطًا بأوروبا بحيث كان في الدوائر الأوروبية دائمًا ذلك الشعور المقلق بوجود عدو قوي على الأبواب . وعلى الرغم من أن شارل مارتل قد هزم المسلمين عند تور - بواتييه عام 732 وأوقف الزحف الإسلامي داخل أوروبا ، فإن الدول الجرمانية التي قامت على أرض أوروبا نتيجة الغزوات الجرمانية ( القرن الخامس - القرن السابع الميلادي ) لم تكن قد وصلت إلى درجة النضج السياسي الذي يمكنها من التصدي الحقيقي للمسلمين . ومن ناحية أخرى ، أدرك البيزنطيون مبكرًا أن التعايش مع المسلمين يمكن أن يكون حلًا عمليًا ومريحًا للطرفين . وكان طبيعيًا في هذه المرحلة أن يعبر المسيحيون عن تنويعة من الآراء السلبية والإيجابية في المسلمين وديانتهم . ولكن مقارنة الآراء السلبية ، في تلك المرحلة الأولى بتلك الآراء الهستيرية التي شهدتها الفترة الثانية ( وهي فترة الحروب الصليبية ) ، تكشف عن أنها كانت آراء معتدلة متزنة نسبيًا . ثم تلت ذلك فترة محاولة الفهم عن طريق الترجمة والنقل ، لتصل إلى ازدهار حركة الاستشراق في خط مواز لنمو حركة الاستعمار الأوروبي على حساب العالم المسلم . وفي رأيي أن مشروعية هذه الدراسة تقوم على أساس إنطاق الوقائع التاريخية موضوعياً بما يثبت