نخبة من الأكاديميين

466

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

يفرض على العالم أن يصير إليه ، وعن إرادتها واستعدادها للتصدي له ومواجهته بجهود مشتركة وحراك منسق وتكاملي بين العالمين . ومائتئت هذه القوى تتطور وتتقدم في الكم والنوع ، وهي تتطلع إلى عالم أفضل وإلى إقامة نظام عالمي أكثر عدلًا ، وإلى سلام وأمن دوليين مستقرين ودائمين ، وهذه مقدمات أو إرهاميات تعاف ترتقب لها تفاعلات وتحولات مستقبلية إلا أن تلك القوى لم تتحول بعد إلى جبهة صد عالمية متماسكة ومنظمة ذات مشروع واضح ممكن التنفيذ وقادر على فرض مواقف تغييرية إيجابية . وإنْ بدا هذا الإقرار بتردي الأوضاع العلائقية « طوباوياً » عند بعض الانهزاميين في الظروف الحالية ، فإننا بالمقابل نرى إلى أن الاستمرار في السياسات الجنونية الدائرة في العالم ، هو الطوباوية بعينها ، لأنه يعني إهداء الإنسانية إلى التذابح ، وإطلاق فوضى الهمجية التي لن يسلم من نارها أحد ، وهنا نجدد التأكيد على أن لا خيار ثالثاً بين هذين الخيارين . وإذا كانت العلاقة الجدلية التاريخية بين العالم الإسلامي والغرب هي علاقة تصادم احتقانين مركبين وغير متكافئين ، أو علاقة جنوح إلى المواجهة كما سبق وبينَّا ، فلنسع بجهد مشترك ومخلص إلى تغيير موضوع الاحتقانين وإفراغهما من اختلاجهما التوتري التصادمي والاستراتيجي بحيث يتم تصويب وجهتهما نحو سوية حضارية . ولن يكتب لهذه العملية السداد إلا انطلاقاً من إِحداث تعديل شامل في فلسفة الأفكار والمعايير وفي منظومة القيم السائدة والمهيمنة ، ما يستبع بالضرورة مراجعة لا مفر منها في النظرة وإلى العالم وإلى العلاقات بين البشر وإلى الآخر ، وبالتالي إلى ما بين الشعوب والأمم . ما يحتم بالضرورة تحقيق حدٍ أدنى من العدل والتوازين بين ظهرايتهم ورد الحقوق المنتزعة أو المغصوبة إلى أصحابها الشرعيين وإشعارهم بالأمن والاطمئنان إلى وجودهم حاضرهم ومستقبلهم ، والإقبال عليهم برغبة مخلصة في بناء شراكة حياة متوازية وحقيقية معهم ، وإقامة سلام دائم تصونه وتحمية مرجعيات مشتركة متفق عليها بعيداً عن أي هيمنة أو تهديد ، في نسق علائقي سوي قائم على الثقة والاحترام المتبادلين ونظرة مشتركة إلى المستقبل قائمة دائماً على الاعتراف بالآخر وحقه في التنوع ، وفي الاحتفاظ بخصوصياته المعتقدية والثقافية ، في الحرية قبل ذلك كله وبعده . وفي معادلة الغالب والمغلوب الراهنة ، أحرى أن تكون الخطوة الأولى صادرة عن الغالب المتسلط ، لامن المغلوب على أمره ، أي من القادر على المبادرة ، لا من المستضعف العاجز الذي استُنزف حتى أمسى غير قادر إلا على التلقي والارتداء الاضطراري دائماً إلى خانة الدفاع الذي لا تتوفر له وفيه دائماً شروط المناعة والصمود . ثمة نظرة مغايرة إلى العالم والإنسان مطلوبة أذاً ، ما يعني تعديلًا أساسياً في الرؤية الحضارية وفي كثير من مرتكزاتها فهذا العالم الذي يعج بستة مليارات بشري لا يمكن ، ولا كان ممكناً قَطُّ ، أن يخضعوا فيه لسلطة واحدة ، أو لمنظومة حضارية أو ثقافية واحدة . أما على مستوى العلاقة بالآخر فذلك يقتضي في رأينا العمل المتوازي من خلال نسقين متزامنين من الجهود المشتركة : نَسق معرفي وأخلاقي ونسق سياسي . الأول يصحح صورة الآخر وينظفها مما