نخبة من الأكاديميين
453
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
لإسلام متخيل أو مقولب أو " منمذج " بشكل مُلَتوٍ وجزئي في الذاكرة الجمعية للغرب بوجه عام . لكنه في كل حال ليس الإسلام الموضوعي ، أو بالأقل : هو ليس إسلام المسلمين . « 1 » هذه الظاهرة المتجددة وغير المنقحة هي : الجهل المركب بهذا الدين وبالكثير من مبادئه وشرائعه وأصوله ، وقدْ راكمت هذا الجهل وفاقمته عوامل عدة أبرزها : التأسيس السلبي لبعض الاستشراق الذي ما فتئت تخصبه بعض الدراسات الأكاديمية التي ينشرها مستشرقون ، قسم منهم لا يتقن اللغة العربية ، أو لا يقرأون النصوص الإسلامية بلغاتها بل بترجمات ، هي الأخرى شوهاء عَثْلاء ، يعوِلّون على دراسات في الإسلاميات بين كثير منها وبين المنهجيات العلمية حُرُونٌ متأصل . من عوامل ذلك الجهل أيضاً : الفوقية الغربية ذات الأصول الاستعمارية التي ما تزال قابعة في العقل الباطن كما في الوعي الظاهر لفئات من الغربيين لا ترى إلى الآخر المسلم بخاصة ، والآخر بعامة وهو الذي يكاد لا يعني اليوم إلا المسلم « 2 » ، إلا على قاعدة التفوق الأبيض على طريقة المؤرخ البريطاني ( كيبلينغ ) . ومن هذا التفوق تتفرع التوليدات الأولى للإيديولوجية العنصرية المستحكمة في جماعات ونخب غربية لا يستهان بتأثيرها . من تلك العوامل أيضاً : مؤدى قانون الغالب والمغلوب الذي أشرنا إليه آنفاً والذي أبدعه ابن خلدون وهو يقرأ بالمنهج الحضاري علاقة المهزوم بالمنتصر عن طريق الغلبة والقهر العَصَبِيَّيْن ، ومنها كذلك النفي الاعتقادي واللاهوتي لوجود دين ثالث بعد اليهودية والمسيحية . ومنها أيضاً السياسات الغربية التاريخية المعادية لحقوق والمسلمين والمؤيدة لإسرائيل ، ثم هناك الصهيونية العالمية . . . . لقد كان من أمارات هذا الجهل المركب بالإسلام وبالمشروع الحضاري الذي يدعو إليه وبالتاريخ والشريعة الإسلاميين اتهامات تكال في العالم الغربي على مدار الساعة وتتردد بكل وسائل النشر والإبلاغ من قبيل : عدوانية الإسلام الذاتية وحضه المؤمنين على سفك الدماء ، وكره المسلمين للآخر « 3 » « 4 » ما لم يكن مسلماً ، وجنوح الإسلام إلى التسلط والديكتاتورية ومعاداته التقدم والقيم الغربية ، واستعباد المرأة ، والأنْساق الاجتماعية والقرابية " المتخلفة " ، والبدائية السائدة بين المسلمين والاعتقاد بأفكار غير عقلانية . . . الخ ) . وزاد في كثافة استنساخ هذه الأفكار والصور المغلوطة واتساع مساحة انتشارها وتغلغلها قلق الغربيين بعامة ، والأوروبيين بخاصة ، من ظاهرة الهجرة المكثفة الشرعية وغير الشرعية من البلدان الإسلامية والعربية المشاطئة للبحر المتوسط أو القريبة منه إلى الأقطار الأوروبية وغيرها من بلاد الغرب . ولا يعود مرد هذا القلق فقط إلى كونه قيمة مضافة إلى أزمة الركود الاقتصادي المتدرج والمقبل على المزيد من الاستشراء وعدم الأمان الاجتماعي والاقتصادي والنفسي ، إضافة إلى البطالة المستفحلة التي يعتبرها كارل بوبر « مرضاً اجتماعياً حقيقياً ، بل هو المعضلة الأكثر هولًا » « 5 » في تلك البلاد مع لوازمها وتداعياتها الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية ، بل إلى كون ذلك القلق أيضاً تثقيلًا لما بات يعرف في الغرب بتمدد الخطر الديموغرافي الإسلامي على أرضه وتزايد نسبة الولادات في أوساط الأقليات الإسلامية هناك « 6 » . علماً بأن هذا التكاثر الإسلامي الذي يبلغ اليوم في أوروبا وحدها ما بين 12 و 15 مليوناً ( بعض الإحصاءات غير الرسمية ترفع القمين إلى
--> ( 1 ) في مقابلة منشورة في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 12 / 3 / 2007 يقول " فليمنغ روز " صاحب فكرة الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية ورئيس قسم الثقافة في صحيفة ( JYllands Posten ) التي نشرت تلك الرسوم : " إن الإسلام هو الآخر " في الغرب - أنظر أيضاً مقالتنا في الجريدة نفسها العددان : 20 و 21 آذار ( مارس 2007 ) . ( 2 ) بعد ستة من أزمة نشر الصور الكاريكاتورية الدانمركية ، ألقى الباب بينديكوس السادس عشر في 12 أيلول / سبتمبر 2006 محاضرة في جامعة راتيسبون ( ألمانيا ) اعتبر المسلمون ما تعلق منها بالإسلام مسيئاً للنبي ( ص ) ومحملا بالإتهامات ، ومنها تغييب الإسلام للعقل والروح النقدية ومعاداته للحداثة ، من غير أن يغفل البابا تراداد التهمة التقليدية ، أي انتشار الإسلام بحد السيف وقد أشارات هذه المحاضرة الكثير من ردات الفعل الموافقة في ( في الغرب ) والمعارضة في أوساط المسلمين في العالم . ما استدعي إصدار الفايكان توضيحات تبين أن نية الباب في محاضرته لم تكن ترمي إلى الإساءة إلى الإسلام وإلى نبيه . - 6002 . peS 61 siraP ednoM el " irneH , qeniT Denis stephane " le Figano " Paris , 9 Oct , 2006 ( 3 ) مصطلح " الأخر " لا يتخذ عندنا في كل ما كتبناه حتى الأن دلالة إطلاقية . فهو في رأينادائماً : " الأخر الحضاري " أي ذاك الذي يحمل مشروعاً تتشكل فيه ومنه نظرته إلى الإنسان والعالم والوجود والعلاقات بين البشر وصيغ الحياة الناظمة لمعيشهم ، وباعتبار أن هذا المشروع تتقاطع معه وفيه " الذات الحضارية " التي تضطلع بحمل مشروع حضاري مغاير أو منافس فيما تراه عنده مما تعتبره إيجابياً ومتلائماً مع اعتقادتاتها وتصوراتها ، بينما تختلف معه وتتدافع فيما تراه سلبياً أو مناقضاً لمقولاتها وأطاريحها أينما وجدت وكيفما كانت . ( 4 ) بوبر ، كارل في : « التسامح بين شرق وغرب » - ص / 82 . ( 5 ) يعتبر تشارلز ويليام ميتر أن الديموغرافيا هي أحد أعظم عوامل تغيير التاريخ ، ويتوقع أن تسبب في القرن الواحد والعشرين أحد أعظم التحولات التاريخية حيث سيرتفع عدد المسلمين في العالم حوالي العام 2025 إلى نسبة تزيد عن 30 % . . . ( أنظر : - ميتر ، تشارلز ويليام في كتاب : « قراءات أميركية وإسرائيلية للشرق الأوسط في القرن المقبل » ص / 30 . من جهة أخرى وفي السياق نفسه توقع المستشرق الأميركي المحافظ برنارد لويس ، والنمو الديموغرافي الإسلامي يتطور بالوتيرة الحالية ، أن تتحول أوروبا في نهاية القرن الحادي والعشرين إلى أكثرية مسلمة . ( أنظر مقابلة معه أجرتها صحيفة ( دي فيليت ) الألمانية ، ونشرتها جريدة ( السفير ) بيروت ، عدد 31 تموز / يوليو 2004 ) . ( 6 ) أنظر البيان الختامي لمؤتمر أئمة أوروبا الذي عقد على مدى يومين في فيينا . وقد نشرت وسائل الإعلام ملخصات منه ( أنظر مثلًا : جريدة " السفير " بيروت 10 نيسان / إبرايل 2006 ز