نخبة من الأكاديميين
452
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
" للآخر " الإسلامي ، مكونة بدايات التأسيس للسيطرة الاستعمارية منذ القرن الثامن عشر ، بحراك منظم ومنتظم ، قد تولدت في أتون الصراع المحتدم بين الكنيسة والتمدد الإسلامي فوق الربوع الأندلسية . فالتبشير ، أصلًا ومصطلحاً وفلسفة ، يقوم على نشر المسيحية حيث لا تكون . وهو بمعنى آخر : هجوم المسيحية على الديانات الأخرى بهدف اقتلاعها من عقول معتنقيها ومن أنفسهم ، وذلك بالحلول محلها بكل وسيلة " سلمية " ممكنة ، بإتقان لغة الناس المقصودين بالتبشير وسبل مخاطبتهم ، ودراسة عاداتهم وقيمهم عن كثب ، والتدخل " للمساعدة " في حل مشاكلهم الشخصية والاجتماعية والصحية والتنموية ، ونشر المدارس والجامعات بين ظهرانيهم لسلخهم عن معتقداتهم وثقافتهم وهويتهم « 1 » . وبذلك يحمل التبشير بعداً تدميرياً " للآخر " لم يكن الاستشراق في بداياته ، إلا الأداة أو الوسيلة المعرفية المسخرة في مواجهة " الآخر " واحتوائه ، وذلك لهدفين غير خافيين : أولهما ديني ، وثانيهما سياسي يتكاملان ويتجهان إلى خافيين واحدة الاختراقي ولا تزال منظومات هذا الفكر الاستراتيجي نابضة في التاريخ العلائقي بين الإسلام والغرب من خلال أدبيات رئيس دير " كلوني " " إيد دو شاتيون " قبل أن يتسنم الكرسي البابوية ويتسمى ب - " أوربان الثاني " ، ثم بعد اختياره حبراً أعظم ، وهو المبتدع للفكرة الصليبية ومنظم الحملات المعروفة مطلق ندائها الشهير عام 1095 ، « 2 » كما نجد تلك المنظومات في أفكار " بطرس الموقر " و " روجيه بيكون " و " جون ويكليف " و " يوحنا السيغوفي " والقديس " توما الأكويني " الذي كان من المختصين بالتأليف التبشيري في أوساط المسلمين من خلال كتابيه : " منطق الإيمان " و " الخلاصة ضد الأميين " ، « 3 » ومع هؤلاء البابا بيوس الثاني " و " ركلوس دي مونتي كروتشي " و " ريموندو بنيافرت الدومينيكاني " و " ريموندو مارتي " و " ريموند ولوليو " . . . ، « 4 » وأقرانهم من أساطين الكنيسة والفكر الأوروبي في القرون الوسطى . أما البعد الثاني ففكري سياسي ، وهو وثيق العلاقة بالبعد الديني . فمن خلاله نُظر إلى المسلمين الفاتحين كمحتلين كفرة وبرابرة لا تجوز فيهم المهادنة ، ما كان من نتائجه تنامي الشعور القومي في أوساط النصاري الإسبان وتعزيز حُمّى التمرد والتحريض على السلطة المسلمة ، وبخاصة بعد سقوط مدينة طليطلة عام 1085 الذي شكل تحولًا جذرياً في مشروع استرداد إيبيريا من أيدي المسلمين وطردهم منها . إلى تلك الجذور الضاربة في التاريخ تعود المكونات التوليدية ( Genetiques ) وأوليات تشكل النظرة الغربية المَرَضِيَّة وغير السوية إلى الإسلام والمسلمين . في الأسباب المضافة للظاهرة إلى النويّات التكوينية للإحتقان العلائقي الغربي تجاه الإسلام والمسلمين والمنوه بها ، تضافرت مجموعة أخرى من الأسباب التي تقاطرت وتفاعلت وتفاقمت لتصب فوق كل سلبية علائقية ، سابقة أو قائمة أو ممكنة ، دفقة احتقان مضافة وملتهبة ، لتجعل في صورة الآخر والتصور عنه ما ليس هو ، فلا يبدو فيها إلا محط ارتياب ومثاراً للتوجس والحذر ، وصولًا إلى رفضه وكراهيته . ولطالما كان الوعي واللاوعي الغربيان تربة خصبة وجاهزة لتصنيع نمطي ومرجعي لإسلام ما . . .
--> ( 1 ) راجع في هذا الشأن الكتاب القيم ل - " رينيه غروسّيه " بعنوان " L'Epopee des Croisades " الذي لم ينقل إلى العربية إلا مؤخراً بمساعدتنا ، وهو بعنوان " ملحمة الحروب الصليبية " ، وكان مؤلفة فيه واضح بالفكرة الصليبة ، معجباً وذا تأثر تبّين بها . ( 2 ) هاغمن ، لودفيغ " مسيحية ضد الإسلام حوار انتهى إلى الإخفاق " صزص / 76 وما بعدها . ( 3 ) ( م . ن ) ( أنظر أيضاً : كتابنا " الإسلام والغرب . . " ( م . س ) ص . ص / 120 وما بعدها ) . ( 4 ) راجع كتاب Richard W . Bulliet : « دفاعاً عن مقولة الحضارة الإسلامية المسيحية » ص . ص / 26 و 27 و 28 .