نخبة من الأكاديميين
451
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بالمزيد من الويلات التي كللها مؤخراً بجملة من الأزمات الشاملة على الأصعد النقدية والمالية والاقتصادية التي من غير المعروف إلى متى ستمتد « 1 » ، كما الحال على الأصعدة السياسية والعسكرية والأخلاقية ، ناهيك بتلويثه الدائم لبيئة العالم و " الإيكو سيستام " فيه « 2 » . الآخر الإسلامي في المخيال الغربي قد تبدو ظاهرة ما يسمى ب - " الإرهاب الإسلامي " أو الرعب المفرط من الإسلام في الغرب ، أو : ( الإسلاموفوبيا Islamophobie ) ، ظاهرة حديثة نسبياً ، وكذلك الحملة الأممية المنظمة والشاملة على هذا " الإرهاب " ، واستفحال آفة العدوانية والتنمر ضد كل ما هو إسلامي . لكن القراءة التاريخية تنبئ بأن للظاهرة جذوراً ضاربة في تشكل أعماق وخلفيات الوعي الغربي بالآخر وارتسام صورته في ذاكرته التاريخية والتداعيات التي أنتجتها . إن الاندفاع الخاطف للمسلمين في أوروبا القرون الوسطى ، ومعهم دين جديد دينامي وزاد ثَرٌّ من الثفافات والعلوم والفنون وأنماط المعيش والصيغ الاجتماعية وإدارة الحياة العامة والخاصة ، وكلها جديدة عليها ، قد أحدثت في " الآخر " الأوروبي عبر فتح الأندلس ، صدمة عنيفة وشعوراً شديداً بالمرارة والخيبة وإحساساً بالخوف واللا أمان لم تندمل آثارها إلى اليوم ، واتخذت ، في رأينا ، على المستوى الحضاري بخاصة بعدين متوازيين تقريباً ، ولكن بأهداف واحدة ووتيرة متغيرة : البعد الأول : ديني متعصب أذعن لسلطان المسلمين تقية وداهنهم ، لكنه استبطن الكراهية والبغضاء ، باعتبارهم عنده دعاة دين " بديل " ، اعتبرته الكنيسة القوطية وغلاتها خطراً وجودياً عليها وعلى النصرانية ، وعلى الأسس التي تقوم عليها هذه الأخيرة ، وتحدياً مباشراً لكثير من معتقداتها وقيمها الدينية والفلسفية والاجتماعية « 3 » . كانت الكنيسة الأندلسية مستكنة في قلب الصراع ضد غريمها " الثقيل " الرابض على صدرها لقرون ، فما انقطعت قط عن إذكاء المشاعر المعادية للمسلمين ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا ، وبخاصة عندما فوجئت بحجم تأثر رعيتها بالثقافة والمعارف الإسلامية إلى درجة الإقبال على اعتناق الإسلام نفسه ، فراحت ، مأخوذة بقلق دفاعي ونفعية سياسية وقناعة بأن التعامل مع خصمها بالسلب الجاهر لن ينفع في زحزحته عن فاعلية التأثير والتمدد ، ولن يعقم الرعية ضده ، إلى الضخ في ثقافة أتباعها أسباباً وجيهة ليوطدوا إيمانهم الديني الخاص ويتسوروا خلفه ويحتموا به ، وهي معهم ، غير أن سعيها لبث في إطار أجيج العصبيات والتعبئة العدائية المضادة . وعلى ذلك نرى إلى أن بدايات نشأة الاستشراق لم تكن منفصلة عن منظومة إعادة التنصير والتبشير اللذين عرفتهما التجربة الأندلسية ، ولا عن الدافع الديني العدائي الذي كان الأساس في نشأة الفهم الاستشراقي للإسلام وتكوين النظرة إليه « 4 » . إن منظومة التبشير والتنصير ، التي شكلت الخلية الأولى في مشروع الاختراق الثقافي الغربي
--> ( 1 ) التقرير السنوي ( م . ن ) يحكم " بأن الدول التي تتسبب بأقل انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون هي أكثر الدول فقراً ، لكنها الأكثر تعرضاً للخطر البيئي . . . " ( 2 ) سليمان ، سمير " الإسلام والغرب إشكالية التعايش والصراع " ص / 120 . ( 3 ) ( م . ن ) ص / 125 . ( أنظر أيضاً : - غابريلي ، فرانشسكو في " تراث الإسلام " بإشراف شاحت وبوزورث ، القسم الأول ص . ص / 105 104 ) . ( 4 ) الطهطاوي ، محمد عزت إسماعيل " التبشير والاستشراق " ص . ص / 1 - 3 .