نخبة من الأكاديميين

446

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الأبواب أمام منتقديها ليتهموها بالدوغمائية والتبسيط ، أو التفسير الإيديولوجي . نباهة تسجيل النقاط النقدية هذه التي يتقنها بعض الأكاديميين والمحللين المولهين بالتنقيب عن الفروقات والمفارقات التفصيلية ، أو المشتركات والاستدخالات البديهية بين الشعوب وبين الجماعات ، لا ننفيها ولا نرفض الكثير من مؤيداتها . لكن ذلك لا يغير في شيء حقيقة اجتماع الغرب في مشروع حضاري واحد ، أي في نظرة واحدة إلى العالم وعلاقات البشر . . . الخ السؤال الذي ما انفك يطرحه بعض المنظرين الاستراتيجيين الأميركيين والأوروبيين بين الفينة والفينة ، وبخاصة في لحظات التأزم العلائقي : لماذا يكرهوننا ؟ هو سؤال قد يبدو من جهة الكارهين ساذجاً وصبيانياً . لأن هؤلاء يعلمون أن المشكلة ليست سيكولوجية ، ولا في التكوين الجيني ، وإنما هي حضارية بامتياز ، منها يستولد السياسي ، وكما كل شأن تبعاً لما وصفنا آنفاً ، أما إذا قوربت الإجابة من جهة المكروهين فستكون من باب « تجاهل العارف » ، مهما اصطنع لها من أشكال البراءة المتثعلبة وحسن النية المزيف أو المداهنات التفاقية . فغسل اليدين من دماء الصّديق من قبل الجلاد ، حيلة معروفة . ولو طرحنا السؤال بطريقة نعكس فيها الكاره والمكروه ليغدو المسلمون هم المتسائلين : لماذا يكرهوننا ؟ ، وهم موضوع الكراهية فعلًا هذه المرة ، فإننا نعتقد في أن الإجابة عندئذ لن تكون في جوهرها إلا حضارية أيضاً ، وليس ظاهرها السياسي سوى رمز لتصور حضاري ورؤية حضارية أصلية . ولا برهان أدل على صحة هذا الانتساب الحضاري للجماعات البشرية والأمم ، من النسَّق العلائقي فيما بينها . فعلى المستوى الكلي والتطور التاريخي ، كما على مستوى الصراعات والصدامات بينها ، لا تعدو هذه الأخيرة كونها ذات منشأ حضاري . وبخاصة عندما تُقَارَب الاستقطابات العلائقية بين المجتمعات بلحاظ أهدافها وغاياتها ، ومن خلال علاقتها بغيرها لا علاقتها بنفسها . بهدي هذه المعايير يتجلى الغرب في وحدة ثقافية وحضارية واستراتيجية كاملة . وكذلك هي الحال بالنسبة إلى العالم الإسلامي الذي إذا نظرنا إليه بمعيار علاقته بذاته ، فلن يُرى إلا متعدداً . أما بالمعيار الحضاري ، فهو كتلة واحدة ، تعدده من ضمن وحدته . وهذي على سبيل المثال لا الحصر - قضية الرسوم الكاريكاتورية - الدانمركية وتداعياتها مصداق معبر . . انها اتهامٌ للمتهِمين ، وبخاصة في تشكل حركة الاستقطاب حولها وحالة الضم والفرز التي أحدثتها . . فإذا التعدد في الغرب مصطف في وحدة حضارية ، وكذلك الحال في العالم الإسلامي . ولكل منهما ظاهر لباطن ملتهب يعتمل ويتورم ويَحْتَرُّ منذ عقود . . بل منذ قرون . في المقلب الآخر أي في الشطر المسلم من العالم المنقسم على نفسه ، كان المسلمون داخل بلدانهم ومجتمعاتهم التي أُمعن في تجزئتها وتفكيكها بعد الحرب العالمية الأولى . . كان هؤلاء بين مطرقة الاحتلال الغربي والصهيوني المدجج بأفتك أسلحة التدمير والترويع وأعتى أدوات الهيمنة السياسية والاقتصادية