نخبة من الأكاديميين

443

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

بالعسكرة دائماً ، وقد توهم أنه أضحى بلا ضوابط أو كوابح ، بخطوط الدفاع الإسلامية خاصة والعالمية الإعتراضية عامة التي راحت ترتفع في وجهة تدريجياً بعدما كان قد اعتاد اجتياحها من غير عوائق ، ومتى أراد . منذ ذاك ، استعاد العالم انشطاره . . ولكنْ بدالٍ ومدلول ودلالة مختلفة عن سيرتها الأولى ، ولم تكن القوى بين العالمين متكافئة بطبيعة الحال ، فحققت الاندفاعة الطوفانية للغرب وحلفائه الكثر اختراقات كبرى في جبهة الدفاع على الضفة الأخرى ، وهي التي ما فتئت تشكو من نقاط ضعف مركبة وتاريخية ، ومن خاصرة رخوة لا يصعب هتكها والنفاذ من خلالها وكان أن طرأ حدث جلل جديد تجلى في وقعة الحادي عشر من أيلول 2001 التي كانت تحولًا استراتيجياً بكل المعايير بين العالمين الغربي والإسلامي إذْ كرست حدود الانشطار المتراكمة بينهما ورسختها من جانب ، ورفعت مستوى التأزم العلائقي وحالة التوتر الذاتي والموضوعي بين الطرفين من جانب آخر ، فاشتدت محفزات ودوافع الاستقطاب بينهما ، وارتفعت حرارة الضغط الهجومي الغربي على الطرف المسلم بخاصة سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً إلى حدودها القصوى ، ثم من خلال الهجوم العسكري الاستعماري المباشر . وذلك كله تحت شعار « الحرب المباشرة والوقائية على الإرهاب الإسلامي » ، فاحتلت أراضي بلدين إسلاميين ( أفغانستان والعراق ) ، كما جرى ويجري تهديد غيرهما بالتدمير أو الغزو ، واسترجعت الجيوش الأجنبية حضورها الاستراتيجي المباشر في قلب العالم الإسلامي والعربي بمفاعيل تجزئة سايكس - بيكو وبما يذكر بنتائج وتداعيات تشكل الدولة الصهيونية في فلسطين عام 1948 ، وحوصرت بلدان إسلامية أو باتت في موضع الحصار ، وامتدت الهيمنة الأميركية من أرخبيل الملايو إلى المحيط الأطلسي ، عدا بؤر ممانعة هنا وهناك يجري استكمال تطويقها ومحاولة تطويعها وإسكاتها وتشتيت قابليات مقاومتها . وتكاد لا تسلم من هذه الحرب المعلنة الشاملة بقعة من بقاع الأرض فيها للمسلمين وللإسلام وجود ، بينما تطلق مثلًا - يد إسرائيل على الدوام للبطش بالشعب الفلسطيني وتجويعه ، وتستباح دماء المسلمين في الباكستان وأفغانستان والعراق والفيليبين وغيرها ، وتمتليء سجلات الأجهزة الأمنية والقضاء في الغرب بأسماء " المتهمين أو المشبوهين المسلمين " ، وتراقب حياة وأنشطة وأعمال وهواتف ومدارس وأندية المتهاجرين منهم وتحصى عليهم أنفاسهم وتستباح حساباتهم المصرفية بالتدقيق والمساءلة ، حتى أمست حياتهم مثقلة بالعسف والاضطهاد والمضايقات من كل نوع وفي كل مناحي حياتهم ، إلى أن وصل الأمر إلى مستوى التهديد الشخصي في بعض الأحيان . حتى حجاب المسلمة وما يرمز إليه من قيم « 1 » ، تحول في العالم الغربي كما بات الجميع يعرفون إلى مكروه أو محرم يستدرج الإحتقار والتنديد ، كما التهويل ب - « أخطاره » على الهوية الوطنية ووحدة المجمتمع ، تُستصدَر ضده قوانين المنع ، تستنزل السلطات القضائية خطره هنا وهناك باعتباره « رمزاً » دينياً ، وتوصد في وجه من اخترنَهُ من الإناث بملء إرادتهن وكامل حريتهن أبواب التعليم والعمل ، أو يضيَّق عليهن .

--> ( 1 ) راجع : فوكوياما ، فرانسيس جريدة " السفير " بيروت 12 مارس / آذار 2007 .