نخبة من الأكاديميين
444
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
والأخطر من ذلك كله أن المخيال الغربي العام قد جرى تذخيره بعد الحادي عشر من أيلول 2001 ، وفي ظل حمى الحرب على الإرهاب المصَعَّدة إلى الأوج ، بضخ دعاوي هستيري استكنَّ الوعي واللاوعي منه بحيث لا يُرى إلى الدين الإسلامي في مساحات شاسعة من ذلك المخيال العام إلا مُعادِلًا للإرهاب ، ولا ينظر إلى المسلمين إلا باعتبارهم على وجه العموم منتجين للإرهاب والفاشية ، أو أنهم إرهابيون أو فاشيون بالقوة أو بالفعل أوبكليهما ، وكأنما الأمر كما في المعادلات الرياضية . وإذا عَنَّ لبعضهم أن يرواغ ، ميز بين " الإسلام " و " الأسلمة ( Islamisme ) " فقال : " نحن لا نتعامل حالياً مع الإسلام وإنما نتعامل مع الأسلمة ، وهي التعبير الحديث عن الفاشية " ، وذلك طبقاً لما توافق على تأكيده الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي و " صديقُهُ " الفيلسوف الأميركي مارشال برمان « 1 » . أما مقاومة المسلمين للاحتلال الإسرائيلي ، كما المقاومة في فلسطين ولبنان مثلًا ، وهي حق شرعي ومشروع ، فما أسرع أن ترمى بالحرم المطلق أو بتهمة الإرهاب ، وبالمعيار نفسه أيضاً : المقاومة / الإرهاب وأما عبادة الجهاد ( الذي أطلقوا عليه تسمية الحرب المقدسة تنفيراً من مضمونه الديني وزعماً منهم أن لا حرب مقدسة وفيها ما فيها من الكره والمكاره ) . . أما هذه العبادة ، وهي من أشرف العبادات عند المسلمين مع قرينها : الاستشهاد ( وقد أضحى في خطابهم انتحاراً ) ، فقد جرى تبخيسهما والتهكم على مضمونهما السامي كأن ينسب الاستشهاد / ( الانتحار ) إلى عقد مقاولة / صفقة مادية يريد الشهيد / ( الانتحاري ) من خلالها تحقيق ( ربح / ريع ) مادي في الدنيا والآخرة ، بحيث يجري تسليط الضوء على ثمن الشهادة وعلى مقابلها ومكافأتها ، أو القول إن الدافع إلى الاستشهاد مردُّه سكولوجي فَرَضِي ، أو ناتج عن يأس مادي أو فقر أو بؤس ، مع إغفال متعمد وغبي لقضية الاستشهاد الكبرى نفسها . عن سابق تصور وتصميم تعمدت المؤسسة السياسية الغربية ، والأميركية منها بوجه أخص ، مدعومة بالآلة الهائلة للأجهزة العلمية والثقافية والإعلامية التابعة لها أو الواقعة تحت تأثيرها ، . . تعمدت بعد الحادي عشر من أيلول 2001 المبالغة والتهويل من الأخطار المزعومة والمفرطة التضخيم لارتكابات وتهديدات جماعات محدودة من الإسلاميين الثائرين « 2 » ضدَّ ما سمته : الأمن القومي للبلدان الغربية وأمن مجتمعاتها وقيمها ورفاهيتها . ذلك كان دأبُها من بعد في الدعاوة والحرب النفسية عندما نسبت للإسلاميين الأفغان مثلًا قدرات هائلة مزعومة وصورتهم بنموذج نمطي متوحش وبربري وقروسطي لتبرير غزو أفغانستان واحتلالها . للدفع إلى ذات الهستيريا تمَّ حقن الرأي العام الغربي أيضاً بهدف التحريض والتعبئة ضد العراق وتلفيق إضبارة اتهام ضده تبدأ بوصمة الإرهاب ، ولا تقف عند اقتناء أسلحة الدمار الشامل ، وذلك تمهيداً للإجهاز عليه وإسقاطه . وكذلك تهيأ الأرض منذ سنوات لمحاولات الإطباق على إيران بحجة سعيها للحصول على أسلحة الدمار الشامل .
--> ( 1 ) هنري ليفي ، برنار مجلة " دير شبيغيل " الألمانية 23 آذار / مارس 2007 . ( 2 ) ليفيت ، ماثيو " تقرير معهد واشنطن " 20 شباط / فبراير 2007 .