نخبة من الأكاديميين
42
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
الرواية ، فتتجلى في حرص الملك الساساني على تربية ولي عهده ، بعيداً عن أجواء الصراع على السلطة ، وتحديداً عن تأثير الطبقة الدينية بأفكارها المتزّمتة ، واجداً في الحيرة مركز نفوذ المناذرة العرب ، والمنفتحة على ثقافة السريان والبيزنطيين ، فضلًا عن الفرس في الأساس ، مكاناً ملائماً لتهيئة ابنه للعرش . ويضيف الطبري في هذا السياق ، أن المنذر ملك الحيرة ، أتى بهرام « برهط من فقهاء الفرس ومعلّمي الرمي والفروسية ، ومعلّمي الكتابة وخاصة ذوي الأدب ، وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم ومحدّثين من العرب ، فألزمهم بهرام ، ووقّت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتاً يأتون فيه ، وقدّر لهم قدراً ليفيدوه بما عندهم ، فتفرّغ بهرام لتعلّم كل ما سأل أن يتعلم ، وللاستماع من أهل الحكمة . . وثقف كل ما عُلِّم بأيسر تعليم » « 1 » . ويبدو أن بهرام أنس لمقامه في الحيرة ، وما برح بعد عودته إلى بلاده يتوق إلى المكوث في الأخيرة ، موَسّطاً في ذلك أخاً للقيصر البيزنطي ، وفد على عاصمة الفرس طلباً للصلح ، فاستجاب الملك لرغبته ، وظلّ ولي عهده في الحيرة ، مستزيداً في طلب العلم حتى وفاة أبيه ، ولكن بهرام كاد يفقد العرش ، حين تألّب عليه « عظماء » الفرس ، واتهموه بأنه « لم يتأدب بآداب العجم ، وإنما أدبه أدب العرب . . واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك » ( عنه ) ، حسب رواية الطبري « 2 » . بيد أن وقوف المنذر إلى جانبه ، وتجنيده جيشاً كبيراً لمساعدته ضد خصومه ، أسهم في استرداده العرش ، والقضاء على المؤامرات التي استهدفته في ذلك الحين . ولعل اتخاذ الفرس الساسانيين عاصمتهم في الإقليم الغربي ، حيث تقع على مسافة ليس بعيدة عن الحيرة التي ظلّت على الرغم من تبعيتها عملياً للفرس ، محتفظةً بعقيدتها الدينية ولها اتجاهاتها الثقافية الخاصة لعل ذلك كان يعني أن المؤثرات اليونانية ( البيزنطية ) لم تكن بعيدة عنها ، كذلك لم يعدم علماؤهم تأثيراً في تلك المنطقة ، خصوصاً إذا توقفنا عند إشارة الطبري السالفة ، عن وجود « حكماء الفرس » « وحكماء الروم » في الحيرة ، حين قدم إليها بهرام للتعلّم وإعداد نفسه للملك . ويجزم كريستنسن بأن الفرس في العهد الساساني ، اطلعوا على فكر اليونان وتلامذتهم الرومان « 3 » ، ولكن « الآوستا » « 4 » ظلّت مصدر كل العلوم ، حيث كانت ريشهر ، من أعمال أرّجان أحد أهم مراكز الطب والفلك والفلسفة « 5 » . وكانت مهنة الطب تلقى عناية خاصة من الدولة ، التي فرضت نظاماً شديداً على ممارستها ، وعاقبت كلّ من يخلّ بأداء واجبه الإنساني من المُجازين فيها « 6 » . وكان يحدث أحياناً عدم توفّر طبيب في اختصاص ما ، فيُستعان حينئذٍ بخبراتٍ أجنبية في هذا المجال ، لا سيما إذا كان المريض من الطبقة الحاكمة التي تلجأ عادة إلى استقدام أطباء بيزنطيين ، أو من النساطرة السريان « 7 » . وكان النساطرة على خلاف مذهبي مع البيزنطيين ، وفي المقابل على علاقة وثيقة بعرب الحيرة الذين اعتنقوا المسيحية على مذهبهم ، الذي امتدت مساحة تأثيره ، منذ القرن الخامس الميلادي إلى الأمبراطورية الفارسية ، حيث اسّسوا مدرسة جنديسابور التي ذاعت شهرتها لوقتٍ طويل في علوم الطب « 8 » . ويروي ابن العبري ، أن الحارث بن كلدة ( الثقفي ) الذي وُصف بطبيب العرب قبيل الإسلام ،
--> ( 1 ) المصدر نفسه ج . 2 ص . 69 - 70 ( 2 ) الطبري ج . 2 ص . 71 . ( 3 ) إيران في عهد الساسانيين ص . 403 . ( 4 ) كتاب الزرادشتيين . ( 5 ) ياقوت ، معجم البلدان ج . 3 ص . 112 . ( 6 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص . 404 . ( 7 ) المكان نفسه . ( 8 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص . 407 .