نخبة من الأكاديميين
43
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
« رحل إلى أرض فارس وأخذ الطبّ عن أهل جنديسابور . . وطبّب بأرض فارس . . ثم إن نفسه اشتاقت إلى بلاده ، فرجع إلى الطائف . . وأدرك الإسلام ، وكان النبي ( ص ) يأمر من كان به علّة أن يأتيه فيستوصفه » « 1 » . ولعل التسامح الذي غالباً ما اتّسمت به سياسات الفرس الساسانيين إزاء النساطرة ، أتاح لهؤلاء حرية الحركة في بلادهم ، من دون أي تدخل ( 562 م ) ، خصوصاً في مجال الترجمة التي كان بين أبرز أعمالها ، نقل « العهد القديم » ، من السريانية إلى « البهلوية » « 2 » . وليس ثمة شك أن تلك الفترة كانت الأكثر تميّزاً على صعيد التفاعل الثقافي بين القوتين الأعظم في ذلك الزمن ، فلا تكاد تهدأ وتيرة الحرب ، حتى تسوء الحياة الطبيعية في ظلّ مناخ تسوده الحرية الدينية ، التي كانت أكثر رسوخاً في المجتمع الفارسي . ومن تعبيرات ذلك ، أن المدرسة الفلسفية في أثينا ، بعد اشتداد الضغوط على مفكريها في النصف الأول من القرن السادس ، لجأ عدد من مفكريها إلى المدائن في عهد كسرى أنوشروان « 3 » . ويبقى أن الفرس ، القوة العظمى في الشرق القديم ، لم يكن المشروع الإمبراطوري التوسعي ما يختصر تاريخهم في مواجهة المدّ الأوروبي بمراحله المختلفة ، ولكنهم كانوا مجتمعاً حضارياً ، ومنافسين أكفاء للقوى الأخرى على مستوى الفكر والعلوم والآداب ، وغير ذلك من مظاهر التقدّم الإنساني ، ولعله أي المجتمع أكثر ما يدين في هذا السياق ، للزرادشتية وكتابها « الأوستا » ، بما يحمله من تعاليم لم تدركها الأفكار الدينية في المراكز الحضارية الأوروبية ، فيما التقت ، في المقابل ، مع الإسلام على قاعدة ثنائية الخير والشرّ ، الأمر الذي يُفسّر انتشار هذا الدين بسرعة ، بعيد الفتوح ، في الأقاليم الفارسية . وثمة ما يعزّز هذا الاتجاه ، أن الصراع على اليمن في أواخر العهد الحميري ، والذي حُسم لمصلحة الساسانيين ، في أعقاب طرد الأحباش ، حلفاء الدولة البيزنطية ، من شبه جزيرة العرب ، وحلول ما عُرف بطائفة « الأبناء » ، مكانهم حيث كان هؤلاء أول المتحوّلين إلى الإسلام من الفرس ، وقد أقرّ الرسول ( ص ) سيادة قائدهم ( باذان ) على قومه « 4 » .
--> ( 1 ) تاريخ مختصر الدول ص . 92 . ( 2 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص . 411 . ( 3 ) المرجع نفسه ص . 411 . ( 4 ) ابن الأثير ، المصدر السابق ج . 2 ص . 214 .