نخبة من الأكاديميين

404

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ويمكن النظر إلى الخمس عشرة سنة بين عامي 1960 و 1975 كمؤشر على المرحلة بأجمعها . ففي خلال هذه المدة ارتفع عدد سكان المدن في الجزائر من 31 إلى 50 في المئة ، وفي العراق من 43 إلى 62 ، وفي سوريا من 37 إلى 46 وفي تونس من 32 إلى 47 ، وفي لبنان من 35 إلى 60 في المئة ، وفي مصر من 31 إلى 48 ، وفي تركيا من 30 إلى 43 « 1 » . وعنى ذلك عمليا " أنه بحلول عام 1975 كانت معظم مدن المنطقة قد تضاعف حجمها ، وبعضها كطهران وأنقرة وبيروت وبغداد أصبح حجمها أكبر بثلاثة أضعاف ما كانت عليه في عام 1950 « 2 » . ولكن هذا لم يكن تمدينا " من النوع الذي شهدته الصناعة في شمال أوروبا في القرن التاسع عشر . فقد رأى علماء الاجتماع العاملون في الشرق الأوسط منذ زمن بعيد ، أنّ إحدى خصائص المدن الجديدة الكبيرة لم تكن " التمدين " ، بل " الترييف " في المدينة وليس من المدينة ، كما لاحظ أحد الجغرافيين « 3 » . ذلك أن حصّة التصنيع من الناتج الداخلي الاجتماعي في كل هذه البلدان في عام 1973 زاد بنسبة أقل من واحد في المئة عما كانت عليه في عام 1960 ، ولم تتعدّ في العديد في الحالات النصف في المئة « 4 » . حتى أنها لم تتغير على الإطلاق في العراق على الرغم من الزيادة الإجمالية في عدد السكان المدنيين من 43 إلى 62 في المئة . وعلينا أن نبحث ضمن هذه المتغيرات عن التطورات السياسية في العالم العربي . ففي العديد من الدول العربية ، كان الذين تربعوا على حكم الدول الحديثة الاستقلال ، هم النخب المدينية التي تملك خبرة أجيال متتابعة في العلاقة بأوروبا . وكانت هذه ، هي النخب التي قامت ومنذ القرن التاسع عشر بانتقال تدريجي إلى التعليم الأوروبي من التعليم الإسلامي الطابع . وهذه النخب هي نفسها التي توسطت بين الحكام الإستعماريين وبين الناس لنقل السلطة ، وهي التي مارست أغلب الضغوط في سبيل الاستقلال السياسي . وقد حافظت هذه النخب بعد الاستقلال على علاقتها بالقوى الاستعمارية ، وأحيانا " كثمن واضح للاستقلال نفسه . إلا أنّه ما لبث أن اتّضح أن المنتمين إليها غير قادرين على الوفاء بوعودهم بتحسين شروط الحياة المادية لمواطنيهم ، وتوزيع أكثر عدالة للثروة الوطنية التي كان يُقال إن القوى الاستعمارية تنهبها . لقد فقدوا صدقيتهم في شكل خاص ، عندما فشلوا في منع نشوء دولة إسرائيل في عامي 1947 - 1948 . في عام 1949 حصل أول انقلاب في سوريا ، وبعد ذلك بثلاث سنوات ، أطاح انقلاب آخر بالملكية في مصر . وقد تبنّى هذان النظامان شعار التحديث على النمط السوفياتي في التخطيط المركزي ، وترافق ذلك مع تحالفهما المتنامي مع الاتحاد السوفياتي نفسه في خلال الحرب الباردة ، وبالتالي فإن هذه الأنظمة هي التي أطلقت عملية التمدين التي تحدّثنا عنها . لقد شهدت العقود التالية للحرب العالمية الثانية ثلاث عمليات متوازية ومتداخلة ، كان لها جميعها آثار عميقة في العالم العربي « 5 » . وكان الإسلام أحد البدائل المعروضة وكان المثقفون والناشطون المسلمون قد حاولوا على مدى

--> ( 1 ) - J . I . Clarke , ' ' Contemporary urban growth'' , in G . H . Blake and R . I . Lawless ( eds ) , The Changing Middle Eastern City , London : Croom Helm , 1980 p . 39 . ( 2 ) - المصدر نفسه . P . 45 . ( 3 ) - A . M . Findlay , ' ' Migration in space : immobility in society'' , in Blake and Lawless , p . 63 ( 4 ) - Z . Y . Hershlag , ' ' Industri alisation in Arab countries : patterns , options and strategies'' , in Roberto Aliboni ( ed ) , Arab industration and economic integration , London : Croom Helm , 1979 p . 25 . ( 5 ) - See Jorgen Nielsen , Muslims in Western Europe , 3 rd ed . , Edinburgh : Edinburgh University Press , 2004 .