نخبة من الأكاديميين
402
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المباشر ( تركيا وإيران والعالم العربي ) ، محكومة أساساً باعتبارات الحرب الباردة . وفي هذا الجو السياسي العام اتجه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في 1955 - 1956 ، إلى خيار عدم الانحياز بين فريقي الحرب الباردة أي إلى خيار تنمية البلاد في شكل مستقل عن الأسياد المستعمرين القدامى ، غير أن الغرب اعتبر هذا التوجه في جوهره تحالفاً مع السويات . ودفع مبدأ « إن لم تكن معنا فأنت ضدنا » ، مصر وعدداً من الدول القومية إلى دائرة المصالح السوياتية ، فيما نجح التآمر السياسي في بلدان مثل إيران عام 1952 في الحفاظ على التوجه الغربي للنظام . وقد اتسم الشرق الأوسط في خمسينات القرن الفائت بالمحاولة الأميركية لإقامة أحلاف مضادة للسويات على الطريق الجنوبي لهؤلاء ، وكذلك بمحاولاتهم خلق مناطق وكسر التطويق ، وهذا ما أثر سياق الأحداث في أواخر الخمسينات من أحداث عام 1958 في لبنان ، وأطاح بالملكية في العراق ، وأدى إلى انفجار الثورة في الجزائر وإلى الوحدة المصرية السورية في إطار الجمهورية العربية المتحدة التي لم تعمر طويلًا . . ثانياً : كانت الحرب العالمية قد أنهكت القوى الاستعمارية الغربية ، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا التي بدأت بالاعتماد اقتصادياً ومن ثم سياسياً في شكل متزايد على الولايات المتحدة . وكانت هذه الأخيرة قد راكمت سمعة قوية ، بأنها ضد الإمبراطوريات ومع الاستقلال الوطني . وقد اكتسبت هذه السمعة دورها في عملية الانسحاب الفرنسي من يتنام وبقية مناطق جنوب شرق آسيا ، وفي معارضتها للهجوم الثلاثي على مصر عام 1956 . إلا أن دور الولايات المتحدة في إعادة الشاه إلى إيران عام 1952 كشف عن وجه آخر . ذلك أن الانقلاب الملكي لم يقم بإزالة ما تبقى من نفوذ بريطاني فحسب ، بل استبدله بالنفوذ الأميركي . وكذلك أدّى الضعف الاقتصادي والسياسي لبريطانيا إلى نقص تدريجي لنفوذها في دول الخليج العربية ؛ وحلّ محله هناك أيضاً النفوذ الأميركي . وفي الوقت نفسه ، كانت فرنسا بقيادة الجنرال ديغول تقبل أخيراً بما ليس منه بد وتنسحب من الجزائر عام 1962 ، لكن ذلك حدث بعد واحدة من أكثر حروب الاستقلال دمويةً . ثالثاً : تمثلت الأولويات الداخلية لبلدان أوروبا بعد الحرب ، بإعادة بناء البنية التحتية المدمرة ووسائل الإنتاج . ولقد كان لذلك انعكاسات تمثلت بازدياد الطلب على العمالة . ففيما كان الطلب على العمالة يلبيه أولًا الجنود القادمون من الحرب واستمرار التدفق من الريف إلى المدينة الذي كان متواصلًا منذ الثورة الصناعية . لكن وحتى في الخمسينات فإنّ ذلك لم يعد يكفي . وكانت القوى الاستعمارية تستورد في السابق العمالة من البلدان المستعمرة ، وخصوصاً فرنسا التي استوردت العمّال من الجزائر في العشرينات والثلاثينات من القرن الفائت . أما في الخمسينات فقد أمست هجرة اليد العاملة إحدى السمات الدائمة لأسواق العمالة في أوروبا الغربية . وكان الطلب في البداية يتركز على الأجزاء الأكثر فقراً في جنوب أوروبا ، البرتغال وأسبانيا وإيطاليا ويوغسلايا واليونان . ولكن سرعان ما بدا أنّ ذلك أيضاً ليس كافياً . وكانت بريطانيا هي أوّل من بحث في المستعمرات حيث وصلت السفينة الأولى المحمّلة بعمّال هنود غربيين عام 1948 . ثمّ بدأ العمال الهنود بالوصول في الخمسينات .