نخبة من الأكاديميين

385

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

كان أندريه ريمون ، قبل مقالته الأخيرة في الحياة ( 23 تموز 1998 ) بحوالي خمس وعشرين سنة قد توصّل في كتابه عن " حرفيي القاهرة وتجارها في القرن الثامن عشر ( 1973 ) إلى القول " إن المجتمع المصري - بالرغم من بعض النمو القليل الذي شهده في تلك الفترة ( الثامن عشر ) كان يتصف بميل شديد إلى الجمود ، وذلك بسبب أن أيّ انقلابٍ أو تغيير تقني لم يتدخل في تعديل شروط الانتاج بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر ، الأمر الذي ساهم في إحداث ذاك الثبات ( Stabilite ) ناهيك عن دور التحوّلات التي حصلت في تيارات التجارة العالمية الكبرى إثر سيطرة الأوروبيين على قيادة الملاحة في المجال البحري الشرقي " . والخلاصة التي يخرج بها المؤرخ من عمله التوثيقي الضخم هي التالية : " صحيح أنه من الصعب معرفة النتائج التي ترتبت على تلك السيطرة ، بسبب النقص في الأرقام بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر ، لكن يمكن أن نفترض أن مثل تلك النتائج قد استنفدت حوالي منتصف القرن السابع عشر ، فكانت مصر مندرجة منذ قرن ونصف ولمدة قرن ونصف أيضاً في عالم مغلق تقريباً وجامد نسبياً " « 1 » . إذن ، هل هو نوع من الإستئناس الإتنولوجي أو الحنين إلى " الغريب " أو " المختلف " ذاك الذي دفع المؤرخ أندريه ريمون أن يعيد الاعتبار إلى المجتمع المصري عشية حملة نابليون فيقول " أن مصر لم تكن نائمة في عام 1798 " ، وأنّ " ثمة نخبة ثقافية ودينية ، العلماء ، كانت تلعب دوراً هاماً في المناصب الدينية والقضائية وفي التعليم " ؟ إذا كان هذا صحيحاً من زاوية التوصيف الإتنولوجي لخصائص مجتمع مختلف " فالصحيح أيضاً أن " علم " ذاك المجتمع وثقافته والعلاقات ما بين فئاته وطبقاته على مستوى الإنتاج والعمل والسوق ، لم تكن مؤشراً حركياً يسير باتجاه النمو من وجهة النظر التاريخية . والخلاصة أن فرضية بترغران القائمة على رصد بعض حالات النمو أيام علي بك الكبير ، لا تصمد أمام سيل الأوصاف التي تزخر بها نصوص الجبرتي ؛ والتي يمكن أن نستخلص منها حالة الجمود الثقافي والعلمي والاقتصادي المزمنة التي أُصيب بها المجتمع المصري . غير أن هذا لا يوصلنا إلى الاستنتاج أن حملة نابليون هي التي نبّهت نخبة إلى أفكار التنوير أو طوّرت أساليب الإنتاج فيه أثناء وجودها . وإن ردود فعل الجبرتي السلبية لهي خير دليل . يقول المؤرخ شارل عيساوي معلقاً على هذه الردود : " وقد جاء الجبرتي معبراً عن عدم اكتراثه بالثقافة الغربية حتى حين طرقت أبوابه بواسطة جيش نابليون . فقد دعاه المعهد المصري وبعض العلماء الآخرين لحضور بعض التجارب الكيميائية ، غير أن هذا قد أثار مزيجاً من الحيرة والانبهار مثله مثل المحاولات الهادفة إلى التأثير على المصريين عن طريق إطلاق المناطيد ، وقد شكّل كل ذلك تناقضاً مذهلًا مع اليابان حيث تزايد الاهتمام بالتعليم الغربي في القرن الثامن عشر " « 2 » . وعليه ، قد يصح القول إنه كان للحملة فعل الصدمة غير المرغوبة وليس فعل صدام الحضارات أو حوارها كما يحلو للبعض القول . كذلك ، كان ينبغي انتظار مشروع محمد علي باشا لدراسة آثار تلك

--> ( 1 ) . Andre Raymond , Artisans et commer ants du Caire au XVIII , siecle , institut francais de Damas , 1973 . ( 2 ) . شارل عيساوي ، تأملات في التاريخ العربي ( الترجمة العربية ) ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية 1991 ، ص 120 - 121 .