نخبة من الأكاديميين

386

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الصدمة ولا سيما في موقع ومكانة البعثات التي أوفدها محمد علي إلى فرنسا . بل ينبغي ألا ننسى الوجه الآخر والأسبق ، وهو أن محمد علي قدم مصر والياً عثمانياً ، حمل معه تنشئة الضباط العثمانيين وثقافتهم في النظام العثماني الجديد ، كما حمل معه سياقات الإصلاح العثماني الأول الذي سبق حملة نابليون بقرن ونيف ، ولكن هذا موضوع آخر للبحث « 1 » . شمبليون والطهطاوي ظاهرتان ثقافيتان تقعان بين " وصف مصر " و " تلخيص باريز " لا شك أن الرجلين ليسا معاصرين للحملة الفرنسية التي استمرت في مصر سنوات ثلاث ( 1801 1798 ) . فرفاعة رافع الطهطاوي ولد في عام 1801 ، أي في العام نفسه الذي انسحبت فيه القوات الفرنسية من مصر . وجان فرانسوا شمبليون ولد في العام 1790 ؛ أي لم يكن بعد قد تجاوز الثماني سنوات . إلا أن الاثنين ارتبط تاريخهما الثقافي والعلمي بأحد أهم إنجازات الحملة الفرنسية : مشروع كتاب " وصف مصر " ( Description de L'Egypte ) ومن المعروف أن هذا الكتاب هو مجموع ما أسهم به علماء الحملة الفرنسية وخبراؤها ، وقد بلغوا 167 عالما وباحثاً وخبيراً وفناناً ، غطوا معظم الحقول : الرياضيات والطبيعيات والإنسانيات والآثار والترجمة والأدب والرسم والموسيقى . . . صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في عام 1809 ، بصيغة 9 مجلدات من النصوص البحثية و 14 مجلداً من اللوحات البيانية والرسوم والنقوش والخطوط . كما أن الإصدار عاد فاستكمل نشراً وتحقيقاً وتحريراً بإشراف الجغرافي الفرنسي جومار ( Jomard ) الذي رافق الحملة ، والذي ما لبث أن أصبح أستاذاً للطهطاوي أثناء البعثة الدراسية المصرية التي أوفدها محمد علي باشا في عام 1826 . وتشير المعلومات إلى أن الجغرافي جومار والمستشرق الفرنسي سلفستر ده ساسي ( Sylvister De Sacy ) هما اللذان اكتشفا موهبة الطهطاوي في اللغات والترجمة ، فوجهاه نحو هذا الحقل من التثاقف ، فكان امتحانه النهائي في عام 1830 عبارة عن تقديم مجموعة من الترجمات إلى اللغة العربية ، شملت دراسات في التاريخ والسياسة والحقوق والأخلاق وعلم المعادن والطب والهندسة ، كما شملت مواد امتحانه مخطوطته التي ذاع صيتها لاحقاً ، والتي وصف فيها باريس تحت عنوان " تخليص الإبريز في تلخيص باريز " . ولعل المتأمل في مبادرة الطهطاوي لتلخيص باريس ، يربط ما بين مشروع " وصف مصر " الكبير من قبل علماء الحملة الفرنسية ومن بينهم أستاذه جومار الذي استكمل إصدار المجموعة في عام 1828 ، وبين المبادرة " المتواضعة " لدى الطهطاوي في " وصف باريس " ليستخلص ما فيها من إبريز ، أي من

--> ( 1 ) . راجع توسيعاً لتعابير هذا الإص - لاح العثمان - ي المبك - ر ف - ي : خالد زيادة ، اكتشاف التقدم الأوروبي ، دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر ، بيروت ، دار الطليعة 1981 .