نخبة من الأكاديميين
384
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
نهوض رأسمالي فإنما هو افتراض مثير للمناقشة . ولعلّ إعادة قراءة نص الجبرتي تفيد في تنويع النظر إلى هذه المسألة ومناقشتها من عدة وجوه . يسرد الجبرتي حواراً جرى بين شيخ الأزهر الشيخ عبداللّه الشبراوي وبين والٍ عثماني ، هو أحمد باشا ( أقام في مصر إلى عاشر شوّال 1163 ، أي حوالي منتصف القرن الثامن عشر ) . يقول الجبرتي " وكان ( الوالي ) من أرباب الفضائل وله رغبة في العلوم الرياضية ، ولما وصل إلى مصر واستقر بالقلعة وقابل صدور العلماء في ذلك الوقت ، ومنهم الشيخ عبداللّه الشبراوي ، شيخ جامع الأزهر ، ( ومشايخ آخرون ) . . . فتكلّم معهم وناقشهم وباحثهم ، ثم تكلّم معهم في الرياضيات فأحجموا وقالوا لا نعرف هذه العلوم فتعجّب وسكت " . وفي لقاء آخر مع الشيخ الشبراوي ، يستوضح الباشا الأمر بقوله : " المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل والعلوم وكنت في غاية الشوق إلى المجيء إليها ، فلما جئتها وجدتها كما قيل : « تسمع بالمعيدي خير من أن تراه » . فقال له الشيخ : هي يا مولانا كما سمعتم معدن العلوم والمعارف . فقال : وأين هي وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن مطلوبي من العلوم فلم أجد عندكم منها شيئاً ، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل ونبذتم المقاصد ؟ . فقال له : نحن لسنا أعظم علمائها وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة والحكّام ، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفرائض والمواريث كعلم الحساب . . فقال له : وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية ، بل هو من شروط صحة العبادة ، كالعلم بدخول الوقت واستقبال القبلة وأوقات الصوم والأهلّة وغير ذلك . فقال : نعم معرفة ذلك من فروض الكفاية إذا قام بها البعض سقط عن الباقين ، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات وأمور ذوقية ، كرقة الطبيعة وحسن الوضع والخط والرسم والتشكيل والأمور العطاردية ، وأهل الأزهر بخلاف ذلك غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق فيندر فيهم القابلية لذلك " « 1 » . هذا ويشير شيخ الأزهر إلى هذا " البعض " الذي يقوم بفرض الكفاية " ، فإذا بأحدهم هو والد الجبرتي ، الذي لبّى مطلوب الوالي في معرفة مسائل من الحساب واتقان الرسم والحفر على ألواح من الرخام ، حتى قامت صداقة بينه وبين الوالي ، تطورت إلى أن قال فيها الوالي : " لو لم أغنم من مصر إلّا اجتماعي بهذا الأستاذ لكفاني " « 2 » . غير أنّ استطراد الجبرتي حول سيرة والده الذي لبّى مطلوب الوالي من العلوم ، لا يقدّم دليلًا ، لا عبر " علم " الوالد ولا عبر " مرجعية " الوالي العثماني على وجود وضعية ثقافية علمية في مصر تؤهل لعملية نهوض أو تطوير اقتصادي . ذلك أن المؤسسة العلمية الأم الأزهر كانت ، وكما يشير شيخها فاقدة القابلية لهذا التطوير . كما أن أوضاع الحرف والصناعات كانت لا تزال تحمل نمطاً من التقنيات والعقليات والذهنيات التقليدية وأشكالًا مغلقة من التنظيم غير قابلة لأي تغيير في إطار انتظامها في أصناف مهنية وطرق صوفية ضابطة ومقننة لأخلاقيات العمل وأساليبه وتسعير قوة العمل وتسويق إنتاجه .
--> ( 1 ) . الجبرتي ، عجائب الآثار ، الجزء الثاني ( مرجع سابق ) ص 277 276 . ( 2 ) . المرجع نفسه ، ص 277 .