نخبة من الأكاديميين

383

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أصحابها إلى المجتمع المصري ( من بعيد ) " كنسق ثقافي " ، " كبنية ثابتة " ذات " خصوصيات " . مثَّل هذه الرؤية مستشرقون وإنتروبولوجيون ، في طليعتهم ، أندريه ريمون صاحب الكتاب المهم " حرفيو القاهرة وتجارها في القرن الثامن عشر " ، الذي عاد فكتب للمثقفين العرب في الحياة ( 23 تموز 1998 ) مطمئناً إياهم ومهدئاً قلقهم على " أن المجتمع المصري الفعلي الخاضع لتلك الطبقة المغلقة ( طبقة المماليك ) محتكرة العلم والثروة في البلد ، لم يكن متشكلا من ركام عديم الشكل . فمن صفوفه تحدرت نخبة ثقافية ودينية ، هي العلماء ، كانت تلعب دوراً هاماً في المذاهب الدينية والقضائية وفي التعليم " . . ناهيك عن استحضار المستشرق أدوار التجار والحرفيين والزعماء الشعبيين ، أي حركية المجتمع الأهلي في الثامن عشر ليصل إلى النتيجة التالية : " لم تكن مصر في عام 1798 بلداً هامداً أيقظه بونابرت " « 1 » . لكن هذه الحيادية الإنتروبولوجية التي تستأنس بخصوصية " مجتمع مستقل " عبر مسافة زمنية ومكانية ، تترك فراغاً في الزمن التاريخي العالمي ، لا تردمه إلا أسئلة الحاضر التي لا يمكن أن تصاغ فرضياتها إلا عبر حركة الذهاب والإياب الدائمة بين الماضي والحاضر ، حيث لا ثبات ، لا في الصورة التاريخية ولا في وعيها . صحيح أن منهج الإنتروبولوجيا يفيدنا في استخراج ما يمكن أن يكون ثوابت وخصوصيات أو بنى ، لكن المنهج التاريخي يسلّط الضوء على التواريخ المقارنة ، وعلى أقنية التفاعل ، وأنماط التحول والتطور وأشكال التقارب والاختلاف ، حيث يدرس " الثابت " في مسار المتحول . وعليه فإن قراءة جديدة لنصوص الجبرتي على ضوء ما تراكم من معارف في تاريخ العلاقات الدولية ، وفي دراسة التاريخ الاجتماعي والثقافي العثماني والأوروبي ، وفي التواريخ المحلية قد تجعلنا نخرج من هذه الثنائية العربية التي تفرض إدراج نص الجبرتي في مشروع التنوير " بفعل تأثير الحملة ، أو في " مشروع المقاومة " ، بفعل أهدافها الاستعمارية ، بل قد تجعلنا نتجاوز النظرة الإنتروبولوجية الاستشراقية التي تطمئن المجتمعات الأهلية إلى " أهليتها " و " عراقتها " في زمن مضى . هل كان المجتمع المصري مثلًا يحتمل تقدماً من داخله قبل حملة نابليون ؟ ثمة فرضية للمؤرخ الأميركي بترغران يوسعها في كتابه " الجذور الإسلامية للرأسمالية ، ( مصر 1840 1760 ) تقول أن مصر كانت تسير منذ عصر علي بك الكبير بخطى وئيدة على طريق التحوّل الرأسمالي ، وأن قدوم الغرب قطع عليها هذا الطريق " . ومهما يكن من أمر مناقشة هذه الفرضية ومدى صحتها التاريخية على مستوى حجم الاستعدادات ووجهة المؤشرات العلمية والاقتصادية في غضون القرن الثامن عشر في المجتمع المصري ، فإن هذه الفرضية قد تصح في مرحلة محاولة البناء التي قام بها محمد علي باشا والتي انتهت بالاتفاقية الجمركية اللامتكافئة التي فرضتها بريطانيا على السلطان العثماني وعلى خديوي مصر في الوقت نفسه . وجدير بالذكر أن مكسيم رودنسون كان قد سبق إلى هذا الشق من الفرضية في كتابه " الإسلام والرأسمالية " . غير أن الافتراض أن مرحلة ما قبل حملة نابليون ( أي ضمناً ما قبل محمد علي باشا ) شهدت بذور

--> ( 1 ) . أندريه ريمون ، الحياة 23 تموز يوليو 1998 .